فهرس الكتاب
-امى .. انت تبالغين كثيرا .. فارجوك ان تذهبى لتسخين الطعام .. انا جائع .. وابكى من شدة الجوع!
فانفجرت الام في نوبة بكاء ونشيج واندفعت على هذا النحو خارجة قبل ان تقضى منه غرضها .. اذ انه عرف كيف يتخلص منها بتلك الحيلة عن بكائة من فرط الجوع .. والتى كان يستحيل عليها ان تتجالها ولو كانت تعلم انها مجرد وسيلة ذكية لصرفها .. ولم تضايقه بعد ذلك بالالحاح على هذا الامر في تلك الامسية التى اعتكفت فيها بغرفتها متحاشية الظهور أمامه وكأنها أزمعت تسقط الأخبار من مصدر آخر.
ثم انها في الصباح التالى اخلدت الى الصمت ولم تبادله سوى تحية الصباح وتركته يخرج الى مدرسته وهو ينظر اليها نظرة مستريبة واجفة فتساءل في نفسه"ترى ماذا قررت ان تفعل وعلام يدل صمتها القهرى!؟"وظل هذا السؤال يطارده طوال يومه بالمدرسة مشتتا تركيزة فحلق بأفكارة بعيدا وسأله رائد الفصل ما به أكثر من مرة.
وحين دق الجرس دقته الأخيرة .. مضى من فورة الى الطريق ولازال هذا السؤال يقلقه ويطوح بافكاره العاجزة عن إدراك اجابة:
ثم لم يغادر هذا السؤال رأسه لحظة واحدة فيما بعد .. وهو يولج"الإصلاحية"ثم وهو يمر على سارة صامتا .. ثم وهو في الغرفة يطوح بالمطرقة ويخبط قطعة الحديد خبطا عشوائيا ثم وهو يقرر الإنصراف قبل الميعاد وقد ضج بهذا السؤال المطارد.
كان ذاهلا .. مصبورا .. يمشى ناظرا فيما أمامه بشرود كأنه في عوالم أخرى فلم ير ذلك الشاب الذى أخفق عندما حاول - عقب رؤيته أول مرة - أن يلحق به ليستدرجة الى حديث يفهم منه شيئا عما يراد به وهو يداعب سارة ويناوشها محاولا تقبلها .. ومر عليهما كالصخرة الجامدة او كالتمثال المتحرك في اقاصيص الاطفال الخيالية المرعبة .. ! .. إنه حتى لم يسمع تلك الضحكة الساخرة التى اطلقاها في أعقابة وخرج يستقبل الطريق ويعب من هوائه النقى بنهم آلى .. وما هو إلا ان شعر بيد توضع على كتفه من الخلف فالتفت جزعا يتساءل:
-من .. من .. ؟