فهرس الكتاب
المكان المجهول المسير اليه وهدير محرك السيارة يعلو في أذنيه ويصر هو الآخر على تذكيره بأنه بات وشيكا - قطعا - انه سيذهب الى هذا المكان .. وأنه للأسى قد لا يسمع بعد الآن رنين جرس مدرسته المحبب أيضا، وكانت تلك دمعة أخرى في عينيه فأسرع بالنظر من خلال رجاج السيارة، متظاهرا بتأمل المنظورات في الخارج كيلا يرى الرجل مظاهر ضعفه .. وظل على تلك الحال معظم الوقت، ينظر متأملا وفى الحقيقة لم يكن يرى شيئا لأن ذهنه كان مشغولا الى حد الاغراق بالتفكير في امه وبيته ومدرسته وفى ايضا والده، الذى لا يعرف عنه اكثر من أنه أسلم روحه في المعتقل .. ولما كان معلما للفلسفة بالمدرسة الثانوية فقد جاء تقريرا الوفاه متضمنا انه إنتحر - في المعتقل - ليثبت أنه حر في اختيار الحياة او الموت .. !
-توقف هنا ..
ثم هبطا .. وبعد أن نقد الرجل للسائق أجرة قاده في صمت الى السير نحو بقعة من تلك البقع الشجرية المتناثرة - وبعد مسيرة حوالى عشر دقائق في طريق رملى ممهد داخلها، برز بغته مبنى حجرى أبيض يحمل في أعلاه عدد من المداخن الصغيرة التى تستعمل في تصريف النواتج الغازية لإحتراق الوقود في الأفران الخاصة بالحدادين.
وكانت دهشة سامح عظيمة حين لاحظ من نظرة سريعة شمل بها تلك المداخن أن معدنها يلتمع الى حد ما ويعكس قليلا ضوء الشمس مما أوحى إليه بانها لم تستخدم في إخراج الدخان ابدا .. غير أن دهشته كانت أعظم حين خطفت لافته كبيرة معلقة فوق مدخل هذا المبنى إنتباهه فقرأ ما يلى:"إصلاحية المتفوقين الاسرائليين العرب!"