فهرس الكتاب
-آه .. يا ربى .. لم يمهلنى الرجل لاكمل له بقية الكلام ..
وانهمرت دموعة سخية وقتا أدرك انه ينفقة بلا حساب، لا سيما وان عليه ان يقطع مسافة طويلة .. وطويلة جدا وهو بتلك الحال حتى يصل البيت قبل ان تؤوب أمه وإلا ما انطلت عليها"الكذبة الصغيرة"التى سيخادعها بها قطعا لتبقى بمنأى عن الاحداث الحقيقية .. والتى يشترط لإنجاح خطته ألا يأمل في معاونه أحد، ليس فقط لأنه ليس على ثقة من أن هذا الأحد سيتطوع ليساعدة دون غرض .. وإنما ايضا كيلا يعلم ثالث غيره وغير الرجل انه تعرض لإعتداء فحينذاك يصل الخبر الى مسامع أمه ويجدها فجأة في يؤرة الاحداث امامه ..
وعمل التفكير بتلك الوتيرة في أمه عمل السحر في بدنه فشعر بفورة من النشاط تتدفق في أعطافه وترفعه عن الارض رفعا .. وتسرله الى ماء البحر المالح ليغسل جراحه وينظفها مما علق بها من رمل، متحملا بعناد وأمل مصبور تركيزها الملحى الكاوى المطهر .. ثم انقلب الى ثيابة التى جفت تقريبا فاخذ يخلعها وينفض عنها الرمال .. وحين إطمأن الى انه قد ازال حد كبير اثار ما حاق به من أذى إرتداها وهو يرتعد من البرد القارس .. ثم نظر الى السماء ليعرف اين هو من النهار فامتلأت عيناه بضوء الشمس الباهر فاغمضهما وتطامنت نفسه مدركا ان الوقت ما يزال في صالحه .. ومضى يغز السير حثيثا الى البيت متحاشيا الطرق المزدحمة ويفكر في لاشئ فقد كان هذا الجرح في مؤخرة رأسه يؤخزة ويحول بينه وبين إعمال الفكر بتعمق في امر معين.
ولبث هكذا يدفع اقدامه الى المسير ويزجرها إن تباطأت إنهاكا او يأسا الى ان وجد نفسه ولا يدرى كيف امام البيت فتنفس الصعداء في ارتياح وهو لا يصدق انه قد وصل بتلك السرعة التى لم يتوقعها او يحلم بها، فما زال ضوء النهار قويا يقول له ان بينه وبين اوبة أمه فسحة من الوقت يستطيع إستغلالها في تهدئة روعه وإراحة جسده وفى أولا وقبل كل شئ تطهير ذلك الجرح بهذا المطهر الذى كان يعجب من حرص امه على الاحتفاظ به في دولاب الملابس ثم ادرك الآن أنه لم يكن على حق في عجبة هذا. كان لا يزال يقف امام الباب وهو يفكر هكذا .. وبغته أدرك انه ليس من الحيطة ان يطيل امد وقوفه في هذا المكان فقد تطل