فهرس الكتاب
الجارة زينا من نافذتها وترى ملابسه التى لم تكن خالية تماما من اثار البلل والرمال فتستدرجه في الحديث عن يومه وحينئذ لا يضمن ألا تفهم شيئا من إختلاجة .. او نظرة .. او نبره .. فهى إمرأة ذات فراسه .. فأسرع بفتح الباب ومع ذلك خيل اليه وسط هواجسه انه يسمع صوتا نسائيا يناديه إبان دخوله .. وبالطبع تجاهل الأمر وصعد الى الطابق العلوى ثم اغتسل وغير ثيابة وطهر جراحه فشعر بالدفء وبقواة تعود اليه شيئا فشيئا .. وأيقن أنه لن تعود امه حتى يكون قد استرد حيوته كلية .. فغمرة الفرح وهتف:
-لن تعرف شيئا .. لن تعرف شيئا .. !
ثم بحث عن شئ يتبلغ به فوجد لحسن حظة كمية من الطعام أوفر من التى ألف العثور عليها كل يوم بعد عودته من المدرسة .. ولم يكن بحاجة الى التساؤل عن السر في هذا لأنه تذكر انه لم يصب غير بضع لقيمات من إفطارة، وحمل الطعام الى غرفته ثم وضعه على المكتب الذى كان لأبيه المدرس، وراح يلتهمه بشدة وشهية لم يستشعر مثلها من قبل، ودن ان ينشغل عنه بالنظر الى منظر البحر كما تعود .. الى أن أنهى عليه فشعر بمزيد من القوة وصفاء الذهن .. ربما لم يسبق له ان احس بمثلهما ايضا .. مما جعله يزيح عنه رغبة في النوم واتته بعد ان إمتلات معدته بالطعام وشعر بالخدر والإسترخاء لانه كان قلقا في اعماقه لضياع يوم اخر في غير الدرس والتحصيل، فأدرك أن أنجع علاج لهذا القلق ان ينطوى على كتبه ويلتهم ما وسعه ذلك ما فاته من معلومات .. وعلى الفور تناول جدول توزيع"حصص الدراسة"على أيام الأسبوع .. ثم حدد لنفسه القدر من العلوم التى عليه ان يذاكرها، وانكب عليها في تحمس الى ان سمع صوت مفتاح يصلصل في قفل الباب الخارجى، وكان في تلك اللحظة قد استوعب الى حد كبير ما فاته من دروس فنهض يستقبل أمه بهمة تحير ان تتوفر له بعد ما مر عليه في يومه من احداث جسام وبقدر عظيم من الشوق والفرحة ايضا .. راح ينتظر صعود امه اليه في صبر وتؤده على غير ما تعود الاثنان .. الامر الذى جعلها تسأله وقد امتزج فضول طفيف بابتسامة عينيها العذبة قبل بضع درجات من وصولها اليه:
-الست جائعا .. ؟
فأجابها وهو يستقر في احضانها بشوق وعيناه تشرقان دمعا: