فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 171

لم يكن نشاط سامح وصفاء ذهنه المفاجئين إلا صحوة نفسية عارضه لها مبرراتها الخاصة في نفسه وعقلة .. إذ ما كاد يجالس أمه بعد ان حملا طعامهما - كالعادة - الى غرفة النوم في تلك الأمسية وتناول بضع لقيمات حتى سرت في جسده كله - لحما وعظاما - رعشة قوية إختلجت لها عضلاته واصطكت أسنانه وتخبطت ركبتاه في بعضهما، على حين خيل اليه - او توهم - ان جميع دمه يهرب من اطرافه ويجرى صاعدا الى رأسه وهو يغلى في إتجاه المنطقة المحيطة بالجرح الذى تأجج لهيبا بغتة وأن عينيه - على حد ما توهم - قد إمتلأت دما ورمالا ايضا ..

حدث كل هذا في ثوان معدودة، ومع ذلك لاحظت امه كل شئ فتوقفت عن مضغ الطعام وراحت تنظر اليه في ترقب وتساؤل مشوبين بالجزع .. الأمر الذى لم يتحمله هو فتظاهر بأنه على ما يرام تماما وانه على حد قوله"ليس اكثر من متعب"ثم هرع الى فراشه وهو يتشنج إرتجافا .. وأهال على جسده الأغطية .. ورغم هذا راح ينتفض تحتها وكأنه ينام عاريا في الصقيع.

ولحقت به امه في التو فشعر بها تقف الى جواره وتغمغم بصوت ملتاع:

-انت مريض .. انت مريض يا سامح ..

اراد ان يقول لها شيئا يطمئنها فخذلته احبال صوته .. وشعر بها تسعى رائحة غادية في الحجرة باضطراب لتحكم اغلاق منافذها وهى تتحدث اليه بكلمات لم يفقة منها شيئا .. وان كان قد امكنه ان يلم بجزعها وقلقها .. ولبث الأمر على تلك الحال إلى أن جاء وقت خيل اليه فيه ان يسبح عاريا في بحر من العرق الساخن يبخر عباب الاصقاع الشمالية .. آنذاك تذكر ما كان بينه وبين الرجل على شاطئ البحر، فهيئ اليه انه فقد قدرته على الاستماع بل والاحساس بأمه .. وغشيت عيناه سحابة سوداء وشعر كأنه يولج بغته في ليل ظليم فصرخ كأن مرحلة الهذيان قد بدأت:

-يا إلهى .. لم يمهلنى الرجل لاكمل له بقية الكلام .. !

وكفت أمه عن الحركة القلقة حوله ثم دنت منه وسألته وهى تترامى عليه لتدفئه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت