فهرس الكتاب
ظل سامح في تلك الحجرة يطرق مدفوعا بقوى الإستسلام الواعى والتحدى بالرضا، تلك التى فجرت في أعماقه الأصوات الصارخة التى غطت على كل صوت إلا صوت ذاته، وجعلته يشعر أنه يجابة إمتحانا تؤكد نتيجة إجتيازة بنجاح الرابطة الوحيدة التى تربطة الى الحياة ويوشك أن يفقدها .. رابطة انه سيد مصيره .. بمحاورها الثلاث: أمه وبيته ومدرسته"تلك الرابطة التى اليها يعزى هذا السرور الباطنى الغريب الذى إجتاح نفسه فأضاء روحه وقوى عزيمته على الطرق ولو بلا نهاية .. بل وشدد من عضلات ذراعية وأحبال صوته أيضا فراح يطرق بلا هوادة يردد تلك المقولة عن المهندس الون، ونداء سعادته بالنتيجة التى تبلج عنها الواقع يدوى في إصرار منتزعا سلطان الكآبه والإحباط عن عرش روحه الذى تسنى له ان يتربع عليه زمنا طويلا."
على أن الأمر في الحقيقة لضعف بنيته ولأنه كان يقضى فترة طويلة بين الصباح والمساء دون أن يأكل شيئا لم يكن خاليا من الإرهاق ولهاث الأنفاس وقد تفصد عرقة وزمت وجهه من فرط ما جهد مع الحديد، فجعل يتوقف بين الفينة والفينة ليلتقط أنفاسه بعمق رئيته .. وفى تلك الهدنة القصيرة .. كان احيانا يردد لنفسه"لقد وجدتها .. نفسى! .. هذه هى الحقيقة الكبرى التى أتاحوا لى رؤيتها فشكرا لهم!"أو"لقد عرفت من أنا وماذا أكون .. إننى اقوى من حديدهم البارد .. أسمى مما أرادوه لى .. ولهذا لن اتخلف عن المجئ الى تلك الغرفة يوما واحدا .. وسأعرف كيف انظم حياتى بين الدراسة وبين الطرق على الحديد البارد وبين الذود عن شرفك يا امى!"...
وبالفعل .. إستطاع تنظيم وقته فأدخل بعض التعديلات الجوهرية عليه في تلك الأمسية التى لبث يطرق فيها الى أن صارت الاضواء الآتية من تلك الكوة قرب السقف إلى شحوب وخفوت فأدرك أن أوان ذهابه آن وعليه أن يسرع بالعودة قبل جثوم الظلام وقبل - الأهم من ذلك - أن ينتاب أمه القلق عليه أو تساورها الشكوك .. فلابد أنها عادت الآن الى البيت ولم تجده في انتظارها كما تعودت طوال حياتهما السالفة .. فأسند مطرقته في مكانها على الجدار وبالزاوية التى كانت عليها إمعانا في إبداء الرضى والبراء وخرج دون