فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 171

وخيل اليها لأول وهلة أنه بعد هذه الجولة الطويلة قد توقف ليلتقط أنفاسه لكنه فاجأها بانه قد وضع نهاية مبكرة قليلا لعمله في هذا اليوم بظهورة خارجا .. حينئذ وقعت عيناها على أقسى وأبشع منظر لإنسان بذل جهدا عضليا ونفسيا في إنجاز عمل فقد فر لونه تماما حتى أصبح بلا لون بعد ان تعدى مرحلة الإحمرار الدموى التى تشى بالإرهاق الى مرحلة ما بعد الإرهاق التى تهرب فيه ألوان الوجه .. وقد أغرق العرق ملابسه حتى بدا وكأنه قد إستحم بها وأنفاسه التى كانت تتلاحق في سرعة مخيفة وكأن في رئتيه شيئا يتحشرج داخلها ويوشك ان يخنقه .. وقد تدلى لسانه .. وسال لعابة وعن لها ان تقول له"يا إلهى إسترح على السرير لحظة .. نحن لا نريد أن تجود بأنفاسك الأخيرة!"لكنه أذهلها مرة أخرى .. بأن يجد - وهو يلتقط تلك الانفاس بالكاد - بقايا قوة على إلتقاط حقيبته التى كان قد وضعها على المكتب أمامها ريثما ينتهى .. ثم في جريه على هذا النحو وقد ضم الحقيبة الى صدره ليمسك بها روحه التى ستنسرق منه لامحالة أو ليساعد نفسه في العدو .. لا تدرى .. منصرفا .. فنهضت مسثارة ووقفت بالباب وهى تقول لنفسها انه لن يلبث ان يسقط مغشيا عليه بعد امتار قليلة من ابتعادة عن المبنى ومرة اخرى أخطأ ظنها .. فقد كان يعدوا مبتعدا باقصى سرعة كما لو كان في كامل قواه، فخبطت أخماسا في اسداس وظلت تتابعه بناظريها الى أن إختفى وهى تتوقع سقوطه تعبا بين لحظة واخرى .. ثم عادت الى مكانها واثناء ذلك غمغمت وهى لا تكاد تصدق ما رأت:

-هذا الفتى مجنون ولا شك .. لقد أنجز عمل اليوم في نفس واحد ولمدة ساعة كاملة كما لو كان يملك قوة ثور يخور خوارا متصلا تحت وطأة ما يشعر به من عنفوان ضاغط .. ثم أسرع يجرى وهو يكاد يموت تعبا كما لو كان يخشى أن يفوته قطار .. ومع ذلك لم يتوقف ليسترد أنفاسه .. لماذا .. وما سره؟ ثم إلام إنصرف اليوم ومازال الضوء في غرفة الطرق قويا لبضع دقائق أخرى؟ .. صحيح أنه أنجز اليوم أضعاف ما أنجزه بالأمس لكنه حرص على الإنصراف مبكرا بحوالى نصف ساعة ... فلماذا .. لماذا؟ إنى حائرة من أمر هذا الفتى العجيب .. إنه مجنون ولا شك .. !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت