فهرس الكتاب
بيد أن أمر نصرانية أبي تمام له ما ينقضه بما سبق من التشكيك في هذا الاسم النصراني الذي نُسب إلى أبيه، وكذلك بالخبر المشهور عند كل من ترجموا لأبي تمام في القديم والحديث من أنه انتقل إلى مصر حَدَثًا يسقي الماء بجامع عمرو بن العاص رضي الله عنه، ويسمع دروس الأعلم والأدب [1] ولا شك أن الوجود في الجامع لا يكون إلا من رجل مسلم، وليس الأمر عند هذا الحد بل إن من دواعي الوجود في الجامع حتى وإن كان طلبًا للعلم، أداء الصلاة وممارسة الشعائر الدينية التي يمارسها المسلمون الموجودون بالمسجد، وذاك ما يدل على حقيقة إسلام أبي تمام، وربما يطعن طاعن بأنه كان نصرانيًّا وأسلم، بيد أن ذلك لا حجة تؤيده مثلما رأينا حجة وجوده بل وملازمته جامع عمرو بن العاص رضي الله عنه، بل ربما كان هذا الطعن دليل إثبات لديانته وديانة أسرته الإسلامية إذا سلمنا بقول القائل: إن أباه هو الذي ذهب به طفلًا إلى مصر على ما سنشير إليه من بعد، وإن كانت هذه الرواية غير أكيدة؛ إذ الشائع أنه هو الذي سافر مرتحلًا إلى مصر، وليس بصحبة أبيه أو أحد من أسرته.
يذهب لويس شيخو إلى أن أبا تمام الطائي كان نصرانيًّا خالصًا، ودلل على ذلك بما ورد عن الصولي والآمدي من أن والد أبي تمام كان نصرانيًّا، وعليه لابد أن يكون ابنه حبيب - أبو تمام - قد ولد ونشأ على دين أبيه، كذلك يدلل بأن اسم حبيب من الأسامي الشائعة عند النصارى النادرة عند المسلمين، وأن مزاولته الحياكة والسقاية في حداثته يدل على خموله بسبب دينه [2] ولنا أن نرد على أدلته بما يلي:
أولًا: لقد نقل الصولي كلام من قالوا بنصرانية أبيه دون أن يعزو القول إلى أناس معروفين يمكن الرجوع إلى تراجمهم، وإنما اكتفى بأن قال:"وقال قوم"أما الآمدي فقد ناقشنا ما ذكره من قبل، وأن ما جاء منسوبًا إليه في وفيات الأعيان على أنه في كتاب الموازنة لم نعثر عليه في هذا الكتاب، وهو ما أكده من قبلنا الدكتور إحسان عباس محقق كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان [3] وهذا يشير إلى أن الدليل الأول للويس شيخو لا ينهض حجة تثبت نصرانية أبي
(1) - حول رحلة أبي تمام إلى مصر انظر: تاريخ مدينة السلام للبغدادي - سابق - 9/ 157، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر - سابق - 12/ 18، وفيات الأعيان لابن خلكان - تحقيق د/ إحسان عباس 2/ 17 - دار صادر - بيروت، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام للذهبي - تحقيق د/ بشار عواد معروف 5/ 8.5 - ط 1/ 2 .. 3 م - دار الغرب الإسلامي.
(2) - لويس شيخو: شعراء النصرانية بعد الإسلام - القسم الثالث ص 258.
(3) - ابن خلكان: وفيات الأعيان 2/ 11 حيث الهامش رقم (5) من كلام المحقق الدكتور إحسان عباس.