الصفحة 24 من 40

تربطهم بالمرأة علاقة المحبة التي تستدعي مثل هذا الاسم، فضلًا عن شيوعه في معاجم اللغة العربية، ومن الجدير بالذكر هنا أن ابن الأثير في أسد الغابة عدّ فيمن سُمِّي حبيبًا من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم واحدًا وأربعين صحابيًّا بعضهم من المهاجرين والبعض الآخر من الأنصار [1] ، وإذا قلنا إن مَنْ سُمِّي حبيبًا من الأنصار قد تأثر بالجيرة اليهودية أو المسيحية، فلسنا نقول بذلك عمَّنْ سُمِّي حبيبًا من الصحابة المهاجرين.

ثالثًا: أرجع لويس شيخو خمول أبي تمام في حداثته إلى امتهانه الحياكة التي يراها من الحرف الخاصة بالنصارى وهي من مذاهب الحضارة التي كان يجهلها عرب البادية بينما كانت شائعة بين عرب الحضر وكان أكثر شيوعها بين نصارى العرب [2] وكذلك امتهانه السقاية، وخموله معهما كان سببه دينه، ولنا أن نسائل الرجل: هل كل إنسان مشهور مشار إليه بالبنان في حداثته حتى نعلل خمول ذكر أبي تمام الحدث بهذا التعليل؟! وإذا كانت الحياكة حرفة نصرانية خالصة، فلماذا وجدنا أبا تمام سرعان ما تركها؟ بل وترك الشام كلها، وولى وجهه شطر مصر ليمتهن فيها السقاية، السقاية خاصة، وفي جامعها الكبير جامع عمرو بن العاص رضي الله عنه على وجه أخص، ومصر على ما يذهب لويس شيخو كانت تعرف الحياكة، ويمتهنها أهلها من الأقباط. أليس من المستغرب حقًّا أن يهجر أبو تمام مهنة يمتهنها النصارى - إن كانوا قومه وأبناء ديانته - ليلجأ إلى امتهان مهنة السقاية، وهي مهنة تذكر بالعرب خاصة بني عبد مناف [3] وسقايتهم الحجيج في موسم الحج؟!.

وقد علل لويس شيخو وجود ما في ديوان أبي تمام من أبيات مشعرة بديانته الإسلامية:"أنه لما أصاب حظوة عند الخلفاء، وعند وجوه الأمراء وكبار الدولة عدل عن دينه إلى الإسلام مجاملة أو طمعًا بحطام الدنيا" [4] وهذا من أسوأ ما يمكن أن يُعلل به توجه فني أو شعري، أو حتى عقدي؛ لمجانبته الموضوعية، وانتحائه جانب العصبية الممجوجة التي لا يستقيم معها علم، ولنا أن نسائل الرجل: إذا كان أبو تمام فعل ما فعل مجاملة ونيل حظوة، فلماذا لم يفعل الأخطل

(1) - عز الدين بن الأثير أبو الحسن علي بن محمد الجزري [ت 63.هـ] : أُسْد الغابة في معرفة الصحابة - تحقيق الشيخين: علي معوض و عادل عبد الموجود 1/ 671 - 687 - دار الكتب العلمية.

(2) - لويس شيخو: النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية ص 37 ..

(3) - الفاكهي المكي: [ق 3 هـ] : أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه - تحقيق د/ عبد الملك بن دهيش 5/ 182 - ط 2/ 1994 م - النهضة الحديثة - مكة المكرمة.

(4) - لويس شيخو: شعراء النصرانية بعد الإسلام - القسم الثالث ص 258.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت