الصفحة 25 من 40

ذلك؟! وهو الشاعر النصراني الكبير الذي وصل إلى مرتبة شاعر البلاط أو شاعر بني أمية كما دعاه عبد الملك بن مروان [1] ورغم المحاولات المتعددة من الخليفة لإثنائه عن دينه النصراني، وتحسينه الإسلام له، فإنه ظل على دينه النصراني ومات عليه.

ولا عجب من أن نجد غير هؤلاء مَنْ يقول بالأصل النصراني لأبي تمام من مثل أنيس المقدسي الذي يقول:"وكل ما يمكن استخلاصه من شتى الروايات أن والده رجل مسيحي اسمه تدوس العطار، فحُرِّف بعد إسلام الشاعر إلى أوس" [2] ولم تكن هناك روايات متعددة - شتى - وإنما هي رواية الصولي التي تكلمنا من قبل حول غموضها وإبهام نسبتها إلى قائل معين، وربما كان هذا الإبهام، أو تعمده من الصولي دليل إهمال وعدم اهتمام لما قيل، وذكرها في كتابه من باب"أخبار أبي تمام"وليس من باب سرد حقائق حول الرجل وأصله ودينه، خاصة أن الصولي قد كان حريصًا على نسبة القول إلى صاحبه تحقيقًا للموضوعية والأمانة العلمية والتاريخية.

وفي إطار البعد عن الموضوعية يقول أنيس المقدسي ما قاله عمر فروخ من قبل حول كيفية دخول أبي تمام الإسلام، وإن كان المقدسي يسوق ذلك في سياق حديثه عن ارتحاله إلى مصر، يقول المقدسي:"فشاعرنا على ما يظهر حُسِّن إليه الإسلام وهو في الشام، ففعل ذلك مندفعًا بما فيه من الطموح وطلب العلا، وظن أنه ينال غايته في مصر، فأمّها" [3] ولم يكن أبو تمام وهو بالشام بالرجل ذي الشأن والخطر حتى يكون في إسلامه قيمة - على فرض أنّ قومًا حسنوا له الإسلام - بل لم تظهر عليه علامات النجابة والبلوغ بعدُ، ومن ثمة نجد في قضية تحسين الإسلام له دسًا لأدلة واهية لا تنهض حجة على إثبات القضية المطروحة أمام المتلقين.

ولعلنا وجدنا عند بطرس البستاني شيئًا من الدقة:"ومنهم مَنْ يدفع نسبته إلى طيء، ويزعم أن والده نصراني من أهل جاسم يُقال له تدوس العطار، فلما أسلم غير اسمه فصار أوسًا" [4] حيث نلمح إشارته إلى ما قيل دون عزوه إلى أحد محاكاة لما فعله الصولي ونلمح في تعبيره هنا

(1) - إيليا الحاوي: الأخطل في سيرته ونفسيته وشعره ص 26.

(2) - أنيس المقدسي: أمراء الشعر العربي في العصر العباسي ص 186 - ط 17/ 1989 م - دار العلم للملايين.

(3) - أنيس المقدسي: أمراء الشعر العربي - السابق - ص 187.

(4) - بطرس البستاني: أدباء العرب في الأعصر العباسية - سابق - ص 92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت