فهرس الكتاب
ما يرجح رفضه نفي النسب إلى طيء العربية، كما أن في قوله:"ويزعم"ما يدل على تشككه في نصرانية أبي تمام.
على أننا نجد عند البستاني ما يتعلق برحيل أبي تمام إلى مصر إذ الشائع في تراث أبي تمام التاريخي والشعري أنه هاجر مرتحلًا إلى مصر باحثًا عن ثراء يجتنيه، وليس خوفًا من أحد - خاصة إذا كان الكلام حول دخوله الإسلام - وإنما ذهب إلى مصر بعينها حرًّا مختارًا، وأكبر الظن المستفاد من الترجمات التاريخية لأبي تمام ومن شعره كذلك أنه عندما هاجر إلى مصر كان شابًّا يافعًا، لكن البستاني يقول:"ولد أبو تمام في القرية المذكورة - جاسم - فحمله أبوه إلى مصر وهو طفل، فنشأ فيها، حتى إذا ترعرع أخذ يسقي الماء في الجامع، وقيل بل كان يخدم حائكًا ويعمل عنده" [1] .
ولعل في اختلاف ما يقوله بطرس البستاني عن كلام الأقدمين والمعاصرين في أمر ارتحال أبي تمام إلى مصر ما يدفعنا إلى التشكيك في ديانة أبيه النصرانية؛ إذ لم يرد في شأنها عند الأقدمين باعتبار القرب الزمني من أبي تمام سوى ما ورد عند الصولي من قول قومٍ كان أبوه نصرانيًّا، وقد وقفنا عند هذا القول وأشرنا إلى أنه لا ينهض حجة تثبت الديانة النصرانية للأب ومن ثمة الابن، وإذا كان الأب قد ارتحل بابنه حبيب إلى مصر - على قول البستاني - فهل أخذ باقي أسرته معه أم لم يأخذهم؟ إن الأمر لا يخلو من غموض يدعو إلى الشك في نصرانية الأب كما يدعو إلى الشك في إسلاميته، بل إنه ليرجح كفة انتماء الأسرة جميعها إلى الإسلام.
وإذا عدنا إلى التراث باحثين عما روي من المرويات التاريخية التي تسهم في جلاء قضية إسلامية أبي تمام، فإننا نجد منها ما رواه أبو بكر الصولي عن محمد بن موسى قال:"سمعتُ عليَّ بن الجهم ذكر دعبلًا فكفّره ولعنه، وطعن على أشياء من شعره، وقال: كان يكذب على أبي تمام ويضع عليه الأخبار، ووالله ما كان إليه ولا مقاربًا له، وأخذ في وصف أبي تمام، فقال له رجل: والله لو كان أبو تمام أخاك ما زاد على مدحك له فقال: إلا يكن أخًا بالنسب، فإنه أخٌ بالأدب والدين والمودة" [2] وقد كان علي بن الجهم ديِّنًا حسن الأخلاق أديبًا شاعرًا مبرزًا، ولعل ذلك كله هو ما ربط بينه وأبي تمام برباط صداقة متين لم يفرق بينهما سوى الموت، قال ابن الجهم عن سبب تعلقه بأبي تمام:"كان الشعراء يجتمعون في كل جمعة في القبة المعروفة بهم"
(1) - بطرس البستاني: أدباء العرب في الأعصر العباسية - سابق - ص 92.
(2) - الصولي: أخبار أبي تمام ص 61 - 62.