فهرس الكتاب
بجامع بغداد، ينشدون الشعر، ويعرض كلٌّ منهم على أصحابه ما يكون قد نظمه بعد مفارقتهم في الجمعة التي قبلها، فبينا أنا في جمعة من تلك الجمع ودعبل وابن أبي الشيص وابن أبي فنن، والناس مجتمعون يسمعون إنشاد بعضهم بعضًا، أبصرتُ شابًّا في أخريات الناس جالسًا في زِيِّ الأعراب. فلما فرغ كلٌّ منهم وقطع إنشاده، التفتَ الشابُّ إلينا وقال: قد سمعتُ إنشادكم منذ اليوم فاسمعوا إنشادي، فقلنا: هاتِ فأنشد [بسيط] :
فَحْوَاكَ عَيْنٌ عَلَى نَجْوَاكَ يَا مَذِلُ [1]
ثم مر فيها منشدًا حتى أتى إلى قوله:
تَغَايَرَ الشِّعْرُ فِيهِ إِذْ سَهِرْتُ لَهُ ... حَتَّى ظَنَنْتُ قَوَافِيهِ سَتَقْتَتِلُ
فعقد ابن أبي الشيص عند هذا البيت خنصره، ثم مرّ فيها الشاب إلى أن أتى على آخرها، ثم أنشد قصيدة أخرى، فقلنا له: أيها الشابُّ لِمَنْ هذا الشعر؟ فقال: لِمَنْ أنشدكموه، فقلنا له ناشدناك الله مَنْ تكون؟ فضحك وقال: أنا أبو تمام الطائيّ؛ فرفعنا مجلسه حينئذٍ، وعظمناه تعظيمًا كبيرًا، واشتدّ إعجابُنا به؛ لدماثة أخلاقه وفصاحة منطقه، وجودة شعره" [2] ."
وعلى ذلك نستطيع القول: إن الحديث عن نصرانية أبي تمام له ما ينقضه من المرويات التراثية، وإذا صحّ ما قيل من أنه"في دمشق نشأ حبيب وشبّ ورأى قومًا يَحْنُونَ عليه، حسّنُوا له الإسلام فاعتنقه، وقد بلغ سن الرشد في الأغلب" [3] فإن ذلك - رغم الشكِّ فيه - لا يغُضُّ من عربيته الطائية التي جعلها الدكتور فروخ نسبًا إلى قبيلة طيء بالولاء [4] هذه الطريقة في النسب التي قال عنها في موضع آخر: إن أبا تمام"أراد أن يبتعد عن أهله الذين ظلوا"
(1) - ديوان أبي تمام بشرح التبريزي - تحقيق د/ محمد عبده عزام 3/ 5 - ط 5/ 2 .. 6 م - دار المعارف - القاهرة.
(2) - ابن نباتة المصري: سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون بهامش الغيث المنسجم في شرح لامية العجم للصفدي 1/ 88 - 89 - ط 1/ 13.5 ه- - المطبعة الأزهرية - القاهرة. وقد ورد الخبر بتفصيل في: تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر - سابق - 12/ 19 - 2 ..
(3) - د/ عمر فروخ: تاريخ الأدب العربي - الأعصر العباسية - 2/ 252 - ط 4/ 1981 م - دار العلم للملايين.
(4) - د/ عمر فروخ: أبو تمام شاعر الخليفة محمد المعتصم بالله ص 25.