الصفحة 28 من 40

على النصرانية، فغادر دمشق إلى حمص، واتصل بأسرة عُتَيْبة بن عبد الكريم الطائي فمدحها، وانتسب إليها بالولاء، فعُرِف من ذلك الحين باسم أبي تمام الطائي" [1] وإن كان من نسَبٍ بالولاء في هذا المقام، فإنما يكون إلى ربِّ الأسرة عُتَيْبة، فكان من الأجدر أن يُقال: أبو تمام العتبي انتسابًا إلى الرجل الذي امتنّ عليه وقربه، على أننا نجد ابن تغري بردي [813 هـ /874 هـ] على تأخره يقول عن أبي تمام:"كان أبوه نصرانيًّا فأسلم" [2] وهو كلام يحتمل ظاهره أن يكون الأب نفسه نصرانيًّا ثم أسلم، وذاك ما ينقض كلام الدكتور عمر فروخ السابق."

أما إذا وقفنا عند ديوان أبي تمام حيث التسجيل الحرفي لكلماته وجدناه يتحدث عن الإسلام والقيم الإسلامية في أغراض شعره كلها حديث رجل لم يدخل الإسلام؛ لأن ناسًا حسّنوه إليه وزينوه، وإنما يشعر المتلقي لشعره أن هذا الرجل مسلم صليبة، وأن تعاليم الإسلام وقيمه التي تحدث عنها وذكرها في شعره كأنما ارتضعها مع لبن أمه، ويمكن لنا أن ندلل على ذلك من خلال احتفاله بالتناص مع القرآن الكريم والحديث النبوي فيما يلي:

التناص مع القرآن الكريم:

استرعت البلاغة القرآنية أنظار البلغاء والشعراء مذ نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ المسلمون في تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، ولم يزل الشعراء ينهلون من آياته ومعانيه ما يزينون به شعرهم، أو يعطونه من جمالياته التعبيرية ما يضمن لهم خلود أشعارهم، وديمومة قراءتها، يقول الثعالبي"لم يتعرض لمعارضة القرآن مِنطِيقٌ مِدْرَهٌ - سيد شريف - ولا شاعر مصقعٌ إلا ختم على خاطره وفنه، وإنما قصارى المتحلين بالبلاغة، والحاطبين في حبل البراعة أن يقتبسوا من ألفاظه ومعانيه في أنواع مقاصدهم، أو يستشهدوا ويتمثلوا به في فنون مواردهم ومصادرهم، فيكتسي كلامهم بذلك الاقتباس معرضًا ما لحسنه غاية، ومأخذًا ما لرونقه نهاية، ويكسب حلاوة وطلاوة ما فيها إلا معسولة الجملة والتفصيل، ويستفيد جلالة وفخامة ليست"

(1) - د/ عمر فروخ: تاريخ الأدب العربي - السابق - 2/ 252.

(2) - ابن تغري بردي: جمال الدين أبو المحاسن يوسف: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 2/ 261 - الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة 2 .. 8 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت