الصفحة 29 من 40

فيهما إلا مقبولة الغرة والتحجيل" [1] وما لهؤلاء لا يقتبسون من القرآن الكريم ما يزين كلامهم برونقه وبهائه، ويعضد حجتهم بعظيم بيانه وصدق كلامه، وهذا النبي صلى الله عليه وسلم وهو أفصح الناطقين الضاد قاطبة يقتبس من ألفاظ القرآن الكريم ودلالاته، وهؤلاء الصحابة والمتكلمون جميعهم يفيئون إلى ظلال القرآن الكريم آخذين ما يقيم لسانهم ويبين حجتهم على طول الآماد والأزمان؟!."

ولم يكن أبو تمام بدعًا من الشعراء المسلمين الذين حفظوا القرآن الكريم، وفهموا بفطنة ثاقبة الكثير من مراميه ودلالاته ومواضع الاستشهاد به وتوظيفه بما يشي عن إيمان منه بهذا القرآن الكريم واعتراف بفضله ومكانته وبلاغته، وفي توظيفاته واستدعاءاته للنص القرآني الكريم ما يوضح تدينه وعظيم ارتباطه بالقرآن، هذا الارتباط الذي لا يغض منه ما ذهب إليه بعض مؤرخيه من القدامى، وردده بعض المعاصرين من أنه كان خفيف الدين، غير عابئ بفروضه، ولو سلمنا بذلك جدلًا وكنا قد نفيناه من قبل، فإنه لا يمنع من حفظه للقرآن الكريم وفهمه وفقهه، ومن ثمة لم تكن استدعاءاته للنصوص القرآنية الكريمة إلا في مواضعها، ومؤدية ما يريده هو منها من دلالة في سياق نصه الشعري. في مرثية منسوبة لأبي تمام في ابنٍ له يتناص لفظًا ودلالة مع الآية الكريمة من سورة البقرة {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156] يقول أبو تمام [مخلع البسيط] [2] :

كَانَ الَّذِي خِفْتُ أَنْ يَكُونَا ... إِنَّا إِلَى اللهِ رَاجِعُونَا

فالمصراع الثاني يستدعي ألفاظ خاتمة الآية الكريمة بدلالتها على التسليم بالعجز المطلق أمام الإرادة الإلهية، وقد أرصد لذلك بالمصراع الأول الدال على كينونة ما يخاف كينونته ووقوعه وهو موت الولد، وبعيدًا عن اللهاث وراء العاطفة وقوتها أو ضعفها، وهي أمر لا ينبغي أن يُسأل عنه في هذا السياق، فإن مثل هذا الاقتباس يشير إلى فهم الشاعر لمدلول النص الكريم فضلًا عن حفظه والتسليم بدلالته.

(1) 163 - الثعالبي: الاقتباس من القرآن الكريم تحقيق د/ابتسام الصفار 1/ 39 - ط 1/ 1992 م - دار الوفاء - المنصورة - مصر.

(2) 164 - ديوانه بشرح التبريزي 4/ 677.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت