فهرس الكتاب
فقد كان وعده إياه بالعطاء والكرم واسعًا سعة البحر، بيد أنه استعجل هذا العطاء في يوم العزم، ومن ثمة لم يصل إليه من هذا العطاء إلا أقل القليل: الضحضاح: الماء القليل على وجه الأرض، الوشل: بقية الماء، وعليه فقد حرمته العجلة عطايا ممدوحه، والعجلة شيمة الإنسان، وأكدها باستدعائه النص القرآني الكريم ونسبه إلى الله عز وجلّ؛ ليؤكد أن ما نزل به من قلة عطاء الممدوح لم يكن بدعًا وإنما هو طبيعة بشرية.
ومن الحق القول في هذا السياق إن التناصات التي تم التمثيل لها فيما سبق قد كانت على قدر من المباشرة والتقريرية ما ينأى بها عن المفهوم النصي للتناص، ومع ذلك فلا يستطيع القارئ أن يطرد عن ذهنه ما يمكن أن يثار حول وجود شواهد من النص القرآني في قصائد الشعراء، وإننا لنرى أنه من الغبن البيّن للشعراء، بل وللنص القرآني أن نقصر أمر استدعائه على الزينة ونيل شيءٍ من القدسية والخلود كما سبق من قول الثعالبي، وإنما الأمر أكبر من ذلك، وأغلب الظن أن الشعراء عندما كانوا يستدعون مقتبسين ومتناصين مع النص القرآني؛ إنما كانوا يحاولون إثراء النص الشعري بالثراء الدلالي وتنوعه للنص القرآني الذي يتفاعلون معه في نصوصهم الشعرية، وهو ما رأيناه مع أبي تمام في تناصاته المختلفة والمتعددة مع النص القرآني الكريم.
وربما بدا أمر الأهمية الدلالية التي ينتجها التناص الشعري مع آيات القرآن الكريم فيما نسميه التناص الدلالي الذي يقف عند الدلالة وحدها دون أن يقتبس الشعراء اللفظ القرآني كاملًا، وفي هذه الصورة من ثمة يبدو الأثر الفني للتناص واضحًا في ربط المتلقي بالنص وتفاعله معه، حيث يثير ذهنه ويحركه للبحث عن مصدر التفاعل ودلالاته المتعددة مما يُسهم في ثراء النص الشعري المقروء.
روى الصولي أن الكنديّ لما سمع بيت أبي تمام مادحًا الأمير العباسي أحمد بن المعتصم [1] [كامل] :
إِقْدَامَ عَمْرٍو فِي سَمَاحَةِ حَاتِمٍ ... فِي حِلْمِ أَحْنَفَ فِي ذَكَاءِ إِيَاس
(1) 167 - ديوانه بشرح التبريزي 2/ 249.