الصفحة 32 من 40

قال لأبي تمام راغبًا الطعن عليه أمام الأمير الشاهد للموقف: الأمير فوق مَنْ ذكرتَ" [1] فقال أبو تمام من فوره بديهة [2] :"

لاَ تُنْكِرُوا ضَرْبِي لَهُ مِنْ دُونِهِ ... مَثَلًا شَرُودًا فِي النَّدَى وَالْبَاسِ

فَاللهُ قَدْ ضَربَ الأَقَلَّ لِنُورِهِ ... مَثَلًا مِنَ الْمِشْكَاةِ وَالنِّبْرَاس

وأثبت البيتين في القصيدة كما يقول الراوي، ونرى الشاعر يتناص مع الآية الكريمة من سورة النور {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35] وهذا التناص قد استدعاه الموقف الذي وُضِع فيه أبو تمام، فهو تناصّ تمثيل جيء به لإفحام يعقوب بن إسحق الكندي، ومَن هم على شاكلته ممن أرادوا النيل من الشاعر عند الأمير العباسي؛ ولذلك وجدناه يبدأ هذين البيتين بالخطاب المنفي الموجَّه إليهم متعللًا بالتعبير القرآني حيث إن الله تبارك وتعالى شبه نوره بشيء أقلّ منه وهو المصباح الموضوع في المشكاة، ولم يكن التشبيه القرآني إلا على سبيل تقريب الصورة للمتلقي؛ فالله تبارك وتعالى لا تدركه الأبصار وهو يدركها سبحانه وتعالى، والاستدعاء للنص الكريم في البيت جاء على صورة من صور التلميح وهي الإشارة بدلالتها على استدعاء معنى النص القرآني الكريم دون اللفظ، وإن استعانت ببعض اللفظ في سياقات تركيبية مغايرة عن سياقاتها في النص الكريم.

ومن استدعاءاته الإشارية قوله في يمدح محمد بن يوسف وقد قدم مكة حاجًّا ومعه خيله [3] [خفيف] :

لَمْ يُحَدِّثْ نَفْسًا بِمَكَّةَ حَتَّى ... جَازَتِ الْكَهْفَ خَيْلُهُ وَالرَّقِيمَا

(1) 168 - الصولي: أخبار أبي تمام - سابق - ص 231.

(2) 169 - ديوانه بشرح التبريزي 2/ 25 ..

(3) 17.- ديوانه بشرح التبريزي 3/ 226.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت