فهرس الكتاب
إن هذا القائد المظفّر ما همَّ بالحج وقضاء مناسكه إلا بعد أن فتح الفتوح في بلاد الروم، ودلّ على ذلك ذكره موضعيْ: الكهف والرقيم وهما كما يقول شارح الديوان موضعان بالروم، على أن ذكرهما هنا يستدعي قول الله عز وجلَّ: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} [الكهف: 9] ولعل في هذا التناص ما يدل على قوة إيمان الممدوح، وقيامه بواجبات الدين حيث الحماية من الأعداء المشهورين بالعداوة، وقضاء الشعائر الدينية عينها ومنها الحج، مثلما حافظ أهل الكهف والرقيم على دينهم، وفروا به من وجه الملك الظالم.
ومن سبيل الإشارة في استدعاء النص القرآني الكريم قوله في مدح المعتصم العباسي من بائيته الشهيرة في فتح عمورية، حيث يضفي عليه من صفات الإمامية الدينية، والسعي الإسلامي عندما يجعل قتاله في عمورية استنصارًا لدين الله تعالى، يقول [بسيط] [1] :
رَمَى بِكَ اللهُ بُرْجَيْهَا فَهَدَّمَهَا
وَلَوْ رَمَى بِكَ غَيْرُ اللهِ لَمْ يُصِب
ولأنه لنصرة دين الله فقد نسب الرمي به في هذه المعركة إلى الله تعالى؛ ولذلك تحقق النصر، وأما إذا كان قتاله في غير نصرة دين الله ما تحقق له نصر، وفي البيت تلميح إشاري إلى مدلول قوله تعالى من سورة الأنفال: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] حيث نلمح نسبة الرمي في البيت وفي النص الكريم إلى الله تعالى، وهو ما تحقق بفضله النصر على الأعداء.
وقال مُعَرِّضًا ببعض بني حُميد دون أن يصرّح بهجائهم؛ لأنهم من طيء، ولسابق مدحه إياهم [وافر] [2] :
وَمَا مِنْ شِدَّةٍ إِلاَّ سَيَأْتِي ... لَهَا مِنْ بَعْدِ شِدَّتِهَا رَخَاءُ
(1) - ديوانه بشرح التبريزي 1/ 59.
(2) - السابق 4/ 296.