فهرس الكتاب
وَيَجْزِيكَ بِالْحُسْنَى إِذَا كُنْتَ مُحْسِنًا
وَيَغْتَفِرُ الْعُظْمَى إِذَا النَّعْلُ زَلَّت
فالمصراع الأول تناص صريح مع قول الله تعالى من سورة النجم {وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: 31] وهذا التناص وإن حمل في دلالته شيئًا واضحًا من المبالغة التي ترتفع بالقاضي الممدوح إلى المقامات العلا حيث العدل المطلق المرتبط بكون الجزاء من جنس العمل وسماحة النفس التي تعفو عند اقتدارها غافرة الزلات وإن عظُمت، فإن هذا التناص يعطينا صورة من صور الحياة التي عاشها الشعراء، وعاشها ممدوحوهم.
ويمدح أيضًا إسحاق بن إبراهيم المصعبي القائد الذي نكّس راية الخُرَّمِيَّة [1] فيستدعي بعض الكلمات القرآنية قائلًا [2] [كامل] :
نُقِلُوا مِنَ الْمَاءِ النَّمِيرِ وَعِيشَةٍ ... رَغَدٍ إِلَى الْغِسْلِينِ وَالزَّقُّوم
والنقلة هنا تشير إلى التحول من حال النعمة والرغد إلى حال كان شرابهم الغسلين وهي كلمة لم تستعملها العرب وإنما استعملها القرآن الكريم في سورة الحاقة في حديثه عن الكافر يؤتى كتابه بشماله {وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ} [الحاقة: 36] وهو في قول بعض المفسرين شجر يأكله أهل النار، وربما كان غير معروف عند البعض الآخر مما يعني أنه استعمال قرآنيٌّ خاص، ومثله الزقوم في البيت، وهو من شجر النار تحيا بلهب النار كما تحيا الشجرة ببرد الماء [3] وقد وردت في مواضع ثلاثة من القرآن الكريم نذكر منها قوله تعالى: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ} [الدخان: 43، 44] والتناص مع الكلمتين القرآنيتين دال على تهكم الشاعر وسخريته بالخرمية الذين أذاقهم ممدوحه هوان الدنيا، وفي انتظارهم هوان الآخرة حيث لا طعام ولا شراب إلا من الغسلين والزقوم.
(1) 176 - تحدثنا عن بابك الخرمي وثورته في الفصل الأول.
(2) 177 - شرح ديوان أبي تمام 3/ 266.
(3) 178 - القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 15/ 86.