الصفحة 36 من 40

ولا يقف أمر التناص مع القرآن الكريم في شعر أبي تمام عند حد ما سبق من نماذج قمنا بالتدليل بها على عمق علاقته بالقرآن الكريم وإنما ثمة طرائق أخرى للتناص مع القرآن الكريم في شعره، منها ما يرتبط باستدعاء بعض الأعلام القرآنية، وهذه رأينا أن نشير إليها في سياق الحديث عن التناص مع الأعلام، ومنها ما يتعلق بالإشارة إلى بعض القصص القرآني المتعلق بالأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام أو بالأمم السابقة.

ولعل قصة موسى عليه السلام كانت من أبرز القصص القرآني الذي استدعاه أبو تمام في شعره خاصة في مدائحه، وإن شئنا مزيدًا من التخصيص قلنا إنه بألمعية عُرف بها كان يوظف القصة في سياقات مدحه للممدوحين يتسمون باسم نبي الله موسى عليه السلام، من ذلك قوله في مدح موسى بن إبراهيم بعدما أحدثه في بلاد الشام وعسقلان من الأمن والعدل، وكأنهم قبل مجيئه كانوا في ضلال، فأتى هو بالهداية، يقول أبو تمام [كامل] [1] :

فَكَأَنَّهُمْ بِالْعِجْلِ ضَلُّوا حِقْبَةً ... وَكَأَنَّ مُوسَى إِذْ أَتَاهُمْ مُوسَى

في البيت ثلاث دوال تستدعي واحدًا من مشاهد قصة نبي الله موسى عليه السلام في القرآن الكريم، وهذه الدوال الثلاثة هي: العجل - ضلوا - موسى، فهي تستدعي قول الله عزّ وجلّ عن قوم موسى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 148، 149] يقول التبريزي في شرحه لبيت أبي تمام:"موسى الأول هو الممدوح، يقول: كأنهم قوم موسى حين ضلوا مدة بالعجل، فأنقذهم من ضلالهم موسى لما رجع إليهم بعد الميقات، فكأن ضلال هؤلاء كضلال أهل موسى بالعجل، فأرشدتهم وأنقذتهم" [2] .

وعلى هذا النحو ندرك أن أبا تمام كان مدركًا لأهمية القرآن الكريم العقدية والجمالية والدلالية، وهذا الإدراك هو الذي دفعه إلى الإفادة منه لفظًا ودلالة، أو لفظًا دون دلالة، أو دلالة دون

(1) - ديوانه بشرح التبريزي 2/ 269.

(2) - ديوانه بشرح التبريزي 2/ 269.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت