الصفحة 37 من 40

لفظ، يدفعه في ذلك حفظه للقرآن الكريم، وفقهه لآياته وأحكامه، وإحاطته بمواضع الاقتباس أو التلميح أو العقْد أو غيرها من صور التناص مع القرآن الكريم.

التناص مع الحديث النبوي:

ومثلما كان أبو تمام مدركًا تمام الإدراك دور السياقات القرآنية في إبراز تجاربه الشعرية، ومن ثمة راح يتناصّ وآيات الذكر الحكيم لفظًا ودلالة أو دلالة فحسب، فإنه بالمثل قد كان على وعي كبير بالحديث النبوي الشريف، ومدركًا في الآن عينه مكانته من حياته ودينه ومن ثمة كان قارئًا واعيًا حافظًا للحديث النبوي؛ ولذا ندرك نحن مرامي تناصاته مع بعضٍ من الأحاديث النبوية الشريفة.

وقد قدّمنا فيما سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبس من ألفاظ القرآن ودلالاته في سياق أحاديث الشريفة، من ذلك الحديث الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم:"نُصِرْتُ بالرعب على العدو، وأُوتيتُ جوامع الكلم، وبينما أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوُضِعَتْ في يدي" [1] نراه يستدعي فيه قول الله عزّ وجلّ: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 151] [2] والتعبير بالرعب هنا يستدعي قول أبي تمام في مدح جهاد الخليفة المعتصم بالله [3] [بسيط] :

لَمْ يَغْزُ قَوْمًا وَلَم يَنْهَدْ إِلَى بَلَدٍ ... إِلاَّ تَقَدَّمَهُ جَيْشٌ مِنَ الرُّعُب

ويستدعي هذا المدح قوة الممدوح وقوة جيشه الذي لا يكون قاصرًا على الجنود وحدهم، وإنما يشير التناص هنا إلى كون الرعب جندًا من جنود الخليفة العباسي المعتصم بالله، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: نُصرتُ بالرعب، والآية الكريمة إنما هي تفسير وتوضيح لكيفية كون الرعب جيشًا أو جندًا من جند النبي صلى الله عليه وسلم وفي كلا النصين: الآية القرآنية

(1) 182 - صحيح مسلم بشرح النووي 3/ 7 ط 1/ 1994 م - دار الحديث - القاهرة

(2) 183 - سورة آل عمران الآية 151 وانظر الآيات: 12 من الأنفال، 26 من الأحزاب، 2 من سورة الحشر.

(3) 184 - ديوانه بشرح التبريزي 1/ 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت