الصفحة 38 من 40

والحديث النبوي ما يشير إلى التأثر الديني الذي بدا على إبداعات أبي تمام، وفهمه لهذه النصوص الدينية وبصره بمواضع توظيفها.

ولعل البيت الأكثر وضوحًا في التناص مع الحديث النبوي السابق حول النصرة بالرعب هو قول أبي تمام في مدح خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني [طويل] [1] :

أَشَمُّ شَرِيكِيٌّ يَسِيرُ أَمَامَهُ ... مَسِيرَةَ شَهْرٍ فِي كَتَائِبِهِ الرُّعْبُ

بيد أننا نراه يتناص في صورة من صور الاقتباس مع قول النبي صلى الله عليه وسلم:"أُعطيتُ خَمسًا لَم يُعطَهُنّ أحدٌ قبلي: نُصرْتُ بالرعب مسيرة شهر" [2] حيث نجده يستدعي من ألفاظ الحديث الشريف دوال: مسيرة شهر، الرعب، دون أن يلتزم البنية الركيبية التي وردت عليها في الحديث الشريف.

ويمكن لنا أن نفهم في هذا السياق قول أبي تمام مادحًا المعتصم وذاكرًا فتح الخُرّميّة [3] [كامل] :

أعْطَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ سُيُوفَهُ ... فِيهِ الرِّضَا وَحُكُومَةَ الْمُقْتَالِ

مُسْتَيْقِنًا أَنْ سَوْفَ يَمْحُو قَتْلَهُ ... مَا كَانَ مِنْ سَهْوٍ وَإِغْفَالِ

مِثْلُ الصَّلاَةِ إِذَا أُقِيمَتْ أَصْلَحَتْ ... مَا قَبْلَهَا مِنْ سَائِرِ الأَعْمَال

والمدح هنا يشير إلى موقف الخليفة المعتصم الحازم من بابك الخرمي هذا المقتال المحتكم على أتباعه في غفلة منه وسهو عن بيت الخلافة والحكم، ولذلك أعمل المعتصم فيه وفي أتباعه سيوفه راضيًا بما أصابهم من التنكيل والتقتيل، ونلحظ هنا أن ذكر السهو والإغفال مع الصلاة يستدعي الإشارة إلى سجود السهو وجبره ما يحدث من نقص في الصلاة مما يعني وقوف

(1) - ديوانه بشرح التبريزي 1/ 189.

(2) - الحديث صحيح، انظر: سنن النسائي - تعليق ناصر الدين الألباني ص 74 - ط 1/ 1988 م - مكتبة المعارف - الرياض.

(3) 187 - شرح ديوان أبي تمام 3/ 134.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت