الصفحة 55 من 56

الْمُصَنِّفَ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ تَارَةً يَدْعُو عَلَيْهِمْ وَتَارَةً يَدْعُو لَهُمْ فَالْحَالَةُ الْأُولَى حَيْثُ تَشْتَدُّ شَوْكَتُهُمْ وَيَكْثُرُ أَذَاهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي قَبْلَ هَذَا بِبَابٍ وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ حَيْثُ تُؤْمَنُ غَائِلَتُهُمْ وَيُرْجَى تَأَلُّفُهُمْ كَمَا فِي قِصَّةِ دَوْسٍ"."

وأورد البخاري في هذا الباب حديث أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قَدِمَ طُفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ وَأَصْحَابُهُ، عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا، فَقِيلَ: هَلَكَتْ دَوْسٌ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ» (2937) .

ووجه التسامح في باب تعزية غير المسلم في مصابه، أن ذلك من باب حسن المعاملة، والعدل في تبادل الحقوق التي تقتضيها ضرورة المجاورة والمعاملة الدنيوية، كما أنه ليس في التعزية - وعلى ما تبين لك - محذور شرعي ولا موافقة على أمر من أمور دينهم، كما لا يلزم عليها موادة ولا موالاة لهم، وبهذا يظهر لك الفرق بين تسامح أهل العلم في مسألة التعزية والمواساة في أمر دنيوي، وبين التهنئة لهم في أعيادهم ومناسباتهم الدينية، فإن ذلك محرم حرمة مغلظة لما ينطوي عليه من إقرارهم على باطلهم، وموافقتهم على شركهم وإظهار شعائرهم، وما تنطوي عليه أعيادهم من المنكرات، فليتنبه لذلك.

قال ابن بطال في"شرح صحيح البخاري" (9/ 380) :"إنما يعاد المشرك ليدعى إلى الإسلام إذا رجا إجابته إليه، ألا ترى أن اليهودى أسلم حين عرض عليه النبى الإسلام وكذلك عرض الإسلام على عمه أبى طالب، فلم يقض الله له به، فأما إذا لم يطمع بإسلام الكافر ولا رجيت إنابته فلا تنبغى عيادته".

وقال ابن حجر في"فتح الباري" (ج 10 ص 191) :"والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد، فقد يقع بعيادته مصلحة أخرى."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت