فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 43

وكان الفرنسيون المستعمرون لا يسمحون بمنع جواز السفر إلا لمن يعرفونه ويثقون بإخلاصه لهم، وخصوصًا الشباب المثقف. فكتب إلى السفير الفرنسي يقول: (إن محمد تقي هو بمنزلة ابني عبد الكريم وهو محب للدولة الفرنسية وأنا أضمنه) .

وهذا كان من شدة إكرامه لي، وإلا فقد كان يعلم عكس ذلك. ومع ذلك بقيت شهرًا كاملًا أتردد على المراقبة الفرنسية، وفي آخر الأمر تيسر لي لقاء المراقب الأعلى واسمه «انبروزني» ، وهو يعرف بالأدب العربي، فبعد أسئلة طويلة وأجوبة غير صادقة آخرها: من تعرف في مصر؟ فقلت: لا أعرف أحدًا، ولكن الأستاذ سيدي أحمد سكيرج كتب لي توصية للسفير الفرنسي في القاهرة، وهو صديقه. فقال: أرني هذا الكتاب. فلما قرأه أخذ التلفون وكلم الموظف المكلف بإعطائي الجواز، وأخبره بموافقته، وقال لي: إنك ستجد في مصر فتنًا كثيرة، فأنصح لك أن تشتغل بطلب العلم الذي تسافر من أجله، واهرب من السياسة ومخالطة الناس.

فشكرته على ذلك، وحصلت على الجواز، فسافرت إلى مصر وأقمت بها سنة، دعاني في أولها الشيخ عبد الظاهر أبو السمح، الذي صار بعد ذلك إمامًا وخطيبًا في المسجد الحرام، وكان في ذلك الوقت إمام مسجد الأسطى أبي هاشم المهندس يصلي فيه ويلقي دروسًا في الدعوة والإرشاد، وهذا مسجد خاص بالسلفيين، ويسمونهم وهابيين .. دعاني لأنوب عنه في الصلاة وإلقاء الدروس لأن جماعة الفقهاء من الأئمة والمأذونين كانوا يحاربون الشيخ المذكور، فدعوه للمناظرة في أحد المساجد، وهيئوا له رجلًا يضربه بالعصا حين يتلقى الإشارة منهم، فبينما هو يناظرهم أشاروا إلى الرجل فانهال عليه ضربًا، ولم يقتصروا على ذلك بل كتبوا عريضة إلى محافظ الإسكندرية يقولون:

إن عبد الظاهر أبا السمح وهابي ضال مبتدع، يقول: إن العصا خير من النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويمنع الاستغاثة به والتوسل ويطعن في المذاهب الأربعة ويعلم الناس مذهبًا خامسًا، ولما صعد المنبر ليخطب خطبة الجمعة في أحد المساجد أخذ العلمين المنصوبين على جانبي المنبر فألقاهما على الأرض إهانة لهذا الشعار الديني، يضاف إلى ذلك أنه أحدث فتنة عظيمة في رمل الإسكندرية، ففرق بين الأب وابنه والأخ وأخيه والقريب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت