حضرة الأمير المشمر كلمة كلمة، لم يروِ الحدوتة بضمير المتكلِّم، شأن من كان في مِثل موقفه من الحضور والمشارَكة، بل حكاها بضمير الغائب، لا على سبيل النحو فقط، بل على سبيل الملاحظة والوِجدان أيضًا؛ إذ لم يحدُث أن فكَّر في التعبير عن مشاعره مرة أو التعليق على ما جرى رغم خطورته البالغة ولو بكلمة واحدة، فيقول مثلًا: كنت واحدًا من وفد الرهبان الذي ذهب للقاء الأمير المشمر في شأن كذا، فقال لنا كذا، وقلنا له كيت، وكنت أشعرُ بالسرور وأنا أرى الأنبا جرجي يُفحِم المشايخ المسلمين ويحظى بتشجيع الأمير ... إلخ، بل إنه حين تكلَّم عن الراهب الذي تولَّى المجادَلة المزعومة لم تبدُر منه لفظة واحدة تُنبئ أنه كان يعرفه أو كانت له به علاقة قط! وهذه ثغرة خطيرة في الحدوتة تدلُّ على أنها مصنوعة صنعًا، وأن قائلها لا يمكن أن يكون قد حضر شيئًا مما يدَّعي وقوعه بين الأنبا المذكور والمشايخ الثلاثة.
ولكي يعرف القارئ ما أريد أن أقوله ويتمثَّل الأمر التمثُّل الصحيح أسوق له هذه الأسطر من رواية أم سلمة - رضي الله عنها - عما وقع للمسلمين في الحبشة في عهد النبي؛ حيث كانت معهم هناك:"قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم الزهري عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، عن أم سَلَمة بنت أبي أمية بن المغيرة زوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاوَرنا بها خير جار النجاشي: أمِنَّا على ديننا، وعبَدنا الله - تعالى - لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه، فلما بلَغ ذلك قريشًا ائتمَروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جَلْدَين، وأن يُهدُوا للنجاشي هدايا مما يُستطرَف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أَهدَوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبدالله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلِّما النجاشي فيهم، ثم قدما إلى النجاشي هداياه، ثم سَلاه أن يُسلمهم إليكما قبل أن يكلِّمهم، قالت: فخرجا حتى قدِما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار، عند خير جار، فلم يبقَ من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلِّما النجاشي، وقالا لكل بطريق منهم: إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غِلمان سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدَع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد"