بعثَنا إلى الملك فيهم أشرافُ قومهم ليردَّهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يُسلمهم إلينا ولا يكلِّمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينًا، وأعلَم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم، ثم إنهما قدَّما هداياهما إلى النجاشي فقبِلها منهما، ثم كلَّماه فقالا له: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارَقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين ابتدَعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعَثَنا إليك فيهم أشرافُ قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتَبوهم فيه"، فانظر كيف روت أم سلمة حكايتها بضمير المتكلِّم فقالت:"نزلنا، جاورنا، أمِنَّا، عبدنا، لا نؤذى، لا نسمع ..."رُغم أنها لم تكن من الحاضرين مجلس النجاشي، بل كانت فقط واحدة من جماعة المهاجرين المسلمين هناك، فما بالنا بمن كان حاضرًا، وسمِع ورأى كل شيء كراوي هذه الحدوتة؟"
ويقول الراهب جرجي ردًّا على ما نُسب إلى الأمير المشمّر من سؤاله إياه عن الحكمة في تحريهم اللحم والنساء على أنفسهم:"ولا نحن نحرِّم الزيجة ولا أكل اللحم، وإنما نقصِد بذلك العيشة اللطيفة غير الهيولية لنتقرَّب إلى الله الجوهر اللطيف غير الهيولي بتلطيف الجسم"، ووجْه الشاهد هنا هو وصْف الراهب لله - سبحانه - بأنه"جوهر لطيف غير هيولي"، الله أكبر! أليس هذا شيئًا قريبًا مما تعِب المسلمون في قوله للنصارى طوال هاتيك القرون؟ أليس ما يزعمونه من أن الله قد تجسَّد ونزل إلى الأرض وأكل وشرِب وتبول وخرأ وشُتم وأهين وطُعن في جنبه بالحرية ولُعن وصاح واستغاث وما من مُغيث، كل ذلك فساد في فساد؟ ومع ذلك فمن قال: إننا نتقرَّب لله بالتنكُّر لأجسادنا وشهواتها؟ إن هذه الأجساد وتلك الشهوات إنما هي جزء أصيل من كِياننا لا تستقيم الحياة بدونه، فكيف يطلب - عز وجل - منا أن نتنكَّر لها؟ وما العلاقة بين كون الله غير ذي جسد وبين تنكُّر البشر لأجسادهم؟ لو قال الراهب الأبله: إن الاعتدال مطلوب في إشباع شهواتنا لقلنا له: نعم ونعام عين! أما تجاهُل الجسد ومطالبه فإنه ينتهي بكوارث أخلاقية واجتماعية؛ إذ الطبيعة لا ترحَم من يتنكَّر لقوانينها التي فطَرها الله عليها، لا تبديل لخلق الله! وحتى المسيح - عليه السلام - الذي يقول ذلك الراهب ومن على شاكلته: إنه هو الله لم يكن ليستطيع أن يعيش إلا بإشباع فمه وبطنه، ولو استطالت به الحياة