فلربَّما اتَّخذ له زوجة! وبالمناسبة فقانون الاعتدال غير خاص بمطالب الجسد، بل يصدُق على مطالب العقل والروح كذلك، فمثلًا لو أنفَق الإنسان عمره أو معظم عمره في العبادة دون التفات لمصالحه الدنيوية أو واجباته الاجتماعية لكانت عقابيل ذلك سيئة أيضًا، وقد تكون كارثية في بعض الأحيان.
ويستمر الراهب في سماديره قائلًا: إن السيد المسيح قال لنا: إنكم ما تقْدِرون أن تنالوا الفرح والسرور في العالم الآتي دون الشقاء والحزن في هذا العالم الفاني"، ونحب أن نعرف أين قال عيسى ابن مريم ذلك، لقد كان المسيح يأكل الطعام الطيب مثلما يحب أن يأكله جميع الناس، وكلنا يعرف كيف حنق - عليه السلام - على التينة بل لعَنها، لأنها لم يكن فيها تين في غير إبانه حسبما لفَّق مؤلِّفو الأناجيل! ترى لماذا غضِب - عليه السلام - على الشجرة المسكينة حين لم يجد في أغصانها تينًا، رغم أنها لم تكن في موسم الثمر، ورغم أنها لا تعقِل ولا تملِك من أمْر نفسها شيئًا؟ أليس لأنه يحب التين ويريد أن يأكله، وهو طيبة من طيبات الدنيا؟ ألم تطلُب أمه أن يوفِّر الخمرَ لضيوف أحد الأعراس فاستجاب لها، وكانت هذه أول معجزة قام بها في حياته؟ وإن كنا لا نصدِّق أن أمه قد طلبت منه ذلك ولا أنه عصى الله وصنَع هذه المعجزة! ألم يقُم بمعجزة إطعام الآلاف طبقًا لما جاء في الأناجيل؟ أهناك من ينكِر أن الطعام والشراب لذَّتان من لذائذ الحياة؟ ألم يعمل بكل ما وهبه الله من مقدرة على شفاء العُمي والبُرص والبُكم، وقد كان ينبغي، لو كان ما نَسَبه له ذلك الراهب صحيحًا، أن يُبقيهم فيما هم فيه من هم وشقاء ومعاناة حتى يكون حظهم في ملكوت السموات عظيمًا؟ ألا يرى القارئ أن ما قاله الراهب الكذاب مجرَّد كلام في الهواء لا مضمون له ولا مصداقية فيه؟"
كذلك يدلُّ على أن راوي الحدوتة كذاب أيضًا فيما قاله عن الجسد وطيِّبات الحياة أنه يركِّز - في مدحه للرهبان - على أشكالهم وملابسهم، ترى لو كان الجسد وما يتعلَّق به مَثَّل سوءًا ونقمة على صاحبه، فلم اهتمَّ ذلك الكذاب بحلاوة منظر الراهب فوصفه بقلمه مرة، وعلى لسان الشيوخ المسلمين مرة، بطريقة من ينظر إليه على أنه امرأة فاتنة تستهوي ألباب الرجال وعيونهم؟ إنه يقدِّمه لنا على النحو التالي:"تزين بشيبة زاهرة وأخلاق عذبة تتوقُ الألحاظ إلى"