الصفحة 17 من 81

معاينته"، كذلك فأبو ظاهر البغدادي يقول عنه:"كل ما عنده حسن وجميل، ووجهه صبيح ومليح"، أوهذا كلام من يرى مُتع الدنيا مناقِضة للعاقبة الحسنى في دار النعيم؟"

وبالمثل لا يمكن أن يصدِّق إنسان أن الراهب يفقِد عقله إلى المدى الذي يقول فيه للشيخ:"إننا عارفون أن الغضب والقتل عندكم سُنَّة لا تُعاب، وعادة بها تفتخِرون، وقد قال بعضهم: دارهم ما دمت في دارهم، وأَرْضِهم ما دمتَ في أَرضِهم، يا أبا سلامة، نحن لا نورِد مكان الصدق كذبًا، وإنما نخشى أن تتصوَّر - لغِلَظ طباعك - الحق كذبًا"، إن هذا لهو الجنون بعينه؛ لأن المسلمين لم يكونوا بالهوان الذي يسوِّل لمِثل هذا الراهب التعيس أن يجبههم في وجههم بتلك الكلمات المهينة، ثم ما معنى قوله لهم في وجههم:"دارهم ما دمت في دارهم، وأرضهم ما دمت في أرضهم"؟ أليس معناه أنه لا يقدِر على مواجهتهم بما يريد أن يقوله؟ فكيف إذًا يواجِههم، بل يجبههم بذلك الكلام المهين؟ بل كيف يفضَح نفسه، ويكشف عن خطته في مداهنتهم واستغفالهم؟

من البلاهة التي لا يُحسِن المبشرون سواها في الاختراع والتلفيق قول الراوي الأخطل: إن الأمير لما أفحَم الأنبا النصراني الشيح المسلم، قد مَالَ عليه وأسرَّ له في أذنه أن أمه نصرانية، وأنه معه بعواطفه تمامًا، ثم لم يكتفِ بهذا، بل خلَع خاتمه الثمين وألبَسه إياه في إصبعه! يا سلام! ما كل تلك البراعة؟ ترى إذا كان كلام الأمير صحيحًا، أكان رجال الحاشية وغيرهم من الحاضرين يجهلون هذا حتى يُسارَّ الراهب وحدَه به بما يفيد أن أيًّا منهم لم يكن يعلم بهذا الأمر؟ هل كان صلاح الدين مثلًا قد تزوَّج بأم الأمير عرفيًّا وسهَّاها وسرَق منها الورقة حتى لا تستطيع أن تثبِت عليه نفقة أو تحصُل منه على إرث أو تنسب ابنه منه إليه؟ ما رأيكم في هذا أيها القراء؟ بل ما رأيكم فيما فعله الأمير من الميل بجسمه إلى الراهب والإسرار له في أذنه بذلك السر الخطير دون الخَشية من سماع المسلمين الموجودين له، وكأنه طفل من الأطفال قُبض عليه متلبِّسًا بسرقة لعبة زميله، فتراه يُسارِع إلى تخبئة يده خلف ظهره على مرأى من الحاضرين ظنًّا منه أنه بهذا يخفى الشيء المسروق عن العيون؟ أم هل كان المسلمون يغفِرون للأمير ما فعَله من الانتصار لنصراني على مسلم؟ أوكانت تمرُّ مثل هذه الواقعة مرور الكرام، وكأن شيئًا لم يحدُث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت