فلا يهيج بسببها العلماء والجمهور، ولا يكتب فيها الكاتبون فيُبدئون ويُعيدون؟ ومع ذلك كله فهؤلاء المغفَّلون يظنون أن بمقدورهم إقناعنا بهذا الهُراء!
ولو سلمنا بما قيل عن تعاطُف الأمير مع النصارى بسبب نصرانية أمه المزعومة التي تخلو كتب التاريخ من أي كلام عنها، بل هي من بنيَّات أوهام الكاتب المفضوح، فهل كانت أم أخيه الظاهر ملك البلاد نصرانية أيضًا؟ ولنلاحظ أنهما لم يكونا شقيقين كما وضحنا في موضع سابق من هذه الدراسة، فكيف سكت ذلك الملك عن العكِّ الذي فعَله أخوه الأمير، والذي كان لا بدَّ أن تكون له عواقب وخيمة على المملكة؟ وذلك بغض النظر عن قوة تشدُّده في أمور الدين وعدم تَساهُله بوجه من الوجوه في مِثل هذه القضية، يقول ابن خلكان في كتابه:"وفيات الأعيان":"كان ملكًا مهيبًا حازمًا متيقِّظًا كثير الاطلاع على أحوال رعيته وأخبار الملوك، عالي الهمة، حَسَن التدبير والسياسة، باسط العدل، محبًّا للعلماء، مُجيزًا للشعراء"، وقال ابن العديم في"زبدة الحلب"عما وقع في مملكة صلاح الدين بعد وفاته:"واستقرَّ ملك ابنه السلطان الملك الظاهر غازي ابن الملك الناصر يوسف بن أيوب لحلب، والبيرة، وكفر طاب، وعزاز، وحارم، وشيزر، وبارين، وتل باشر، واستقل بمُلْك حلب، وأنعم على رعيته، واستمال قلوبهم بالإحسان، وعمِل بوصية أبيه في الأفعال الحِسان، وشارَك أهل حلب في سرورهم والحزن، وقلَّد أعناقهم أطواق الأنعام والمنن، وجالَس الكبير منهم والصغير، واستمال الجليل والحقير، وكان - رحمه الله - مع طلاقه وجهه، من أعظم الملوك هيبة وأشدهم سَطوة وأسداهم رأيًا وأكثرهم عطاءً، وكانت الوفود في كل عام تزدحِم ببابه من الشعراء والقراء والفقراء وغيرهم، وكان يوسِعهم فضلًا وإنعامًا، ويولِيهم مبرَّة وإكرامًا، ولم يجتمِع بباب أحد من الملوك بعد سيف الدولة بن حمدان ما اجتمَع ببابه - رحمه الله - وزاد على سيف الدولة في الحياء والفضل والعطاء"، وذكَر ابن شداد في"النوادر السلطانية"أن جماهير المقاتلة في عكا (على أيام الناصر صلاح الدين: رضوان الله عليه) كانت تعتقِد أن الله قد هيَّأ اندحار العدو ببركة قدوم الملك غازي، كما استبشَر والده صلاح الدين به، وعلِم أن ذلك بصلاح سريرته؛ إذ وجد النصر مقرونًا بقدومه مرة بعد أخرى، وثانية بعد أولى، ومن المعروف أنه قد حضَر مع أبيه