معظم وقائعه مع الصليبيين الخنازير، وفي"ترويح القلوب بذكر ملوك بني أيوب"يورِد المرتضى الزبيدي ما أثنى به ابن عربي عليه من أنه لم ترفَع إليه حاجة من حوائج الناس إلا سارَع في قضائها من فوره من غير توقُّف، كانت ما كانت، وكان الملك مريدًا لذلك الشيخ، وحصل منه على إجازة في العلم توجد مخطوطتها في مكتبة الأسد الوطنية (مخطوط رقم 6284) حسبما كتب أسعد الخطيب في مقاله:"الإطار الدفاعي عند الصوفية"بموقع"التصوف الإسلامي"، فمِثل هذا الملِك لم يكن ليَسكت على كُفْر أخيه المزعوم لو كان ما قالته الحدوتة صحيحًا، وهو ما لا يمكن أن يكون قد حدث قط!
ولو افترضنا أن تلك المجادلة وذلك الكتاب الذي ضمَّها صحيحان، فكيف نفسِّر سكوت علماء المسلمين عن كتابة ردٍّ على تلك الشبهات التي أوردها الراهب المسكين؟ لقد كتب مثلًا ابن كمونة اليهودي بعد ذلك التاريخ ببضعة عقود قليلة كتابه:"تنقيح الأبحاث للملل الثلاث"الذي تعرَّض فيه لليهودية والنصرانية والإسلام، وأورد بعض الاعتراضات على دين محمد - عليه السلام - وعلى نبوته، فهبَّ على الفور خواجة نصير الدين الطوسي، وكتب تفنيدًا لها بعنوان:"الرد على شبهات ابن كمونة"، رغم أن ابن كمونة إنما عبَّر عن رأيه كتابة ولم يقله في مناظرة عامة انتهت بهزيمة مدوِّية ومُخزية للجانب المسلم كما يزعم كاتب المجادلة، فضلًا عن أن اعتراضاته على الإسلام كانت أهدأ جدًّا جدًّا مما قاله الأنبا جرجي في مجادلته حسبما كتب مدوِّنها الموهوم، فإذا أضفْنا أن ابن كمونة كان يعيش في بغداد حيث كانت الخلافة العباسية ضعيفة، وحيث كان المسلمون بعيدين عما يجعل وقْع كلام ابن كمونة على نفوسهم عنيفًا كما هو الحال في دولة بني أيوب قائدة الصراع الدامي مع الصليبيين، وأن المسلمين هاجوا وماجوا يريدون البطش باليهودي مما استدعى تدخُّل كِبار رجال الدولة وكبار علمائها بغية محاصرة المسألة التي لم تنتهِ مع ذلك إلا بتهريب ابن كمونة في صندوق مجلَّد إلى الحِلة، التي مات فيها بعد ذلك بأيام طبقًا لما كتَبه ابن الفوطي في كتابه:"الحوادث الجامعة والتجارِب النافعة في المائة السابعة"في حوادث سنة 683 للهجرة، إذا فعلنا ذلك تبيَّن لنا أن سكوت المسلمين وعلمائهم على هذه المهزلة غير مستطاع التصديق؛ لأنه مما يخالِف طبائع الأمور، ودعنا من الكذبة البلقاء