استعدادها لتجرُّع كؤوس المهانة والتحقير حتى آخر قطرة، فقالت له: إن الكلاب تصيب أيضًا من فُتات الطعام المتساقِط من المائدة على الأرض، فعند ذلك رضي المسيح بعد أن أَعجبه كلامها الذليل، وقبِلها على سبيل الاستثناء ليس إلا، وقد أكَّد كلامه مرة أخرى تأكيدًا صريحًا على سبيل المخالَفة:"5 هؤلاء الاثنا عشر أرسَلهم يسوع وأوصاهم قائلًا:"إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، 6 بل اذهبوا بالحَرِيِّ إلى خِراف بيت إسرائيل الضالَّة"؛ (متى/ 10) ، ولا يقولن قائل: إنه قد غيَّر كلامه في آخر حياته حين طلَب من تلاميذه أن ينطلِقوا ليبشِّروا بالإنجيل بين الأمم؛ إذ إن هذا لو صدَّقنا حدوته لم يكن إلا بعد أن يَئس - عليه السلام - من"البنين"فاضطرَّ إلى اللجوء لـ:"الكلاب"على مضضٍ وكراهية وقنوط، بخلاف محمد - عليه السلام - الذي كان يجمع حوله من البداية الرجال والنساء من غير العرب كما هو معروف، مفسِحًا لهم في صدره وقلبه وعطْفه وكرمه وحنانه ومبادئه دون منٍّ عليهم ولا أذى ولا نبزٍ لهم بالكلاب أو الخنازير، وكان منهم الحبشي، والرومي، والفارسي: محمد الذي قال: إنه (( لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح ) )، فلا بنين عنده ولا كلاب، بل الكل عباد الله الرحيم الكريم! محمد الذي جعل من سلمان الفارسي واحدًا من أهله: (( سلمان منا أهل البيت ) )! محمد الذي قام عند مرور جِنازة يهودي بمجلسه قائلًا لمن استغرَب ذلك من أصحابه: (( أليست نفسًا؟ ) )ولم يقل: دعوكم منه، فإنه كلب ابن كلب! .. إلخ."
ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - قد أتبَع القول بالعمل فبعَث برسائل إلى ملوك الأرض من حوله يدعوهم فيها إلى الإسلام، أما عيسى فلم يخرج عن دائرة بعض المدن الفلسطينية التي كان يتحرك فيما بينها على الأقدام، ولم يحدُث قط أن دعا أحدًا من غير بني إسرائيل إلى آخر لحظة في حياته على الأرض، وهذا إن قبلنا رواية الأناجيل عن تغيُّر اتجاه الريح في دعوته - عليه السلام - وإلا فلنلاحظ أنه، حين نصَّ على أن رسالته مقصورة على البنين ولا نصيب فيها للكلاب، قد قال: لم أُرسِل إلا إلى خراف بني إسرائيل الضالة، فهو هنا ينصُّ نصًّا على أن هذه طبيعة مهمته، وأن هذا هو نِطاقها لا يمكنها أن تتعدَّاه؛ لأن ذلك هو ما أرسَله الله من أجله، فالقرار إذًا هو قرار الله، بخلاف أمره هو لتلامذته بالانطلاق إلى الأمم لتبشيرهم بالدعوة