الشرق، وإن ذهبت إلى أقاصي الغرب، وإلى آخر الجنوب والشمال، فإنك تجد عبادة المسيح في أقاصي الأرض، ولا يوجد إقليم من أقاليم الأرض يخلو من عبَّاد المسيح، وهذا الدليل الواضح على أن رسل المسيح طافوا الأرض جميعها من أقصى الأقطار إلى أقصاها، والدليل على أنهم تكلَّموا بسائر اللغات أنك لا تجد أمة ولا لغة ولا لسانًا إلا وقد نودي فيها باسم المسيح وعبدوا فيه المسيح، وداود النبي قد تنبَّأ قبل رُسل المسيح بأجيال كثيرة على تكلم الرسل بسائر اللغات، وقال (مز 18، 5) :"في كل الأرض خرج نطقهم، وفي جميع المسكونة انبثَّ كلامهم"، وهذا دليل واضح على أن الحواريين تكلَّموا بسائر اللغات، فهل عندك يا أبا سلامة في هذا شكٌّ؟
قال المسلم: هذا أمْر ظاهر لا شك فيه"."
وهذا الرد المنسوب للشيخ المسلم هو كذبٌ في كذب في كذب، كذبٌ بالثُّلث؛ إذ لا يمكن أن يقول ذلك مسلم أبدًا، وإلا فأين الدليل الذي يُقيم عليه تصديقه وتسليمه بمِثل هذه الدعوى التي لم يتحدَّث أحد على ظهر الأرض عنها غير أصحابها، فهم إنما يغنُّون ويردون على أنفسهم: ترى كيف يمكن أن يُجيب المسلم على هذه الدعوى العريضة المستحيلة بأن"هذا أمْر ظاهر لا شك فيه"؟ كيف بالله يكون ذلك أمرًا ظاهرًا لا شك فيه؟ أين الدليل؟ لقد مات الرسل المذكورون وشبِعوا موتًا، ولم يرَهُم الشيخ المسلم وهم يجترِحون المعجزات، ويتكلَّمون باللغات المختلفة، فكيف يشهَد لهم بذلك ويؤكده، وينفي عنه الشك نفيًا مُطلقًا كما في الكلام المزوَّر على لسانه؟ ثم متى كان المسلمون يستخدمون لفظ"قوات"بمعنى"معجِزات"كما ورد على لسان الشيخ هنا؟ إنه مصطلح نصراني لا يعرفه الإسلام، وهذه شواهده من العهد الجديد:"كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب، أليس باسمك تنبَّأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة"؛ (متى/ 7/ 22) ،"حينئذ ابتدأ يوبِّخ المدن التي صنعت فيها أكثر قواته لأنها لم تَتُب"؛ (متى/11/ 20) ،"فسمع هيرودس الملك، لأن اسمه صار مشهورًا، وقال: إن يوحنا المعمدان قام من الأموات، ولذلك تعمل به القوات"؛ (مرقس/6/ 14) ،"ويل لك يا كورزين، ويل لك يا بيت صيدا؛ لأنه لو صنعت في صور وصيدا القوات المصنوعة فيكما لتابتا قديمًا جالستين في المسوح والرماد"؛ (لوقا/ 19/ 27) ،