الصفحة 33 من 81

مبين؛ لأن مثل هذا النص لا وجود له في القرآن، بل الموجود فيه هو قوله - تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدَىَ لِلْنَّاَسِ} [آل عمران: 3 - 4] ، {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] ، والمهم أن القرآنَ (كما نرى) يعلِن نفسه مهيمنًا على الكتب السابقة؛ أي إن ما يقوله عنها هو الصواب الذي ينبغي اعتماده، ومعنى هذا أن الأنبا، إذا أراد أن يُحاجَّ المسلمين بكتابهم، فعليه أن ينقل كلام كتابهم كما هو، مثلما أفعَل أنا مثلًا حين أجادِل القوم، فأنقل كلامهم بنصِّه، لا أن يؤلِّف كلامًا من عنده ثم يزعُم أن هذا هو كلام القرآن.

-وعلى هذا فلا معنى لقوله: إن القرآن قد شهِد للتوراة والإنجيل، ومن ثَمَّ فعليكم أيها المسلمون أن تصدِّقوا بما في أيدينا؛ ذلك أن التوراة والإنجيل لدينا غير التوراة والإنجيل لديهم، فالتوراة والإنجيل لدينا وحْيان نزلا على موسى وعيسى، أما الذي عندهم فهو العهد القديم والعهد الجديد، وهما مجموعة من الكتب ألَّفها أشخاص مُتعدِّدون بعد موت موسى وانتهاء حياة عيسى على الأرض، وليسا وحيينِ سماويينِ، وإن لم يعنِ هذا بالضرورة أن كل ما فيهما لا يمتُّ إلى الوحي بصلة؛ إذ قد بقيت فيهما أشياءُ وأصداءٌ من وحي السماء مختلطة بما سطَّرته أيدي البشر، ومن هنا فلا بدَّ أن ينزِل الأنبا على حُكم القرآن، إن كان يريد أن يقنِع المسلمين من خلال آيات ذلك القرآن، أما أن يلوي النصوص القرآنية ويُحرِّفها جريًا على ما تعوَّده قومه مع التوراة والإنجيل فليس من العدل ولا من الأمانة ولا من المنهجية في شيء.

-ومن ثم فقول المسلم للأنبا المزعوم:"أنا مصدِّق الإنجيل، ولكنكم حرَّفتموه بعد نبيِّنا (أحسب أن المقصود:"بعد نبيكم") وجعلتموه على غرضكم وهواكم"هو كلام صحيح تمام الصحة، لكن ماذا قال الراهب؟ وماذا كان ردُّ المسلم عليه؟ وكيف مضتِ المحاورة؟ هذا ما سنقرؤه الآن،"قال الراهب: لا تتحدَّث بهذا ولا تورِد قضية لا يمكنك القيام بتحقيقها، وأخيرًا تخجل بباطلك كمن يروم سَتر الشمس عن الناس بكفِّه، قل لي يا أبا سلامة: كم من السنين مضت من المسيح إلى محمد؟"

-قال المسلم: ما أدري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت