-وهذا كله خَبَل وكذِب وافتراء، فليس عيسى سوى عبد الله ورسوله، والله - سبحانه - لا يمكن أن يتجسَّد ويدخل بطن امرأة تحبَل به وتلِده وتعطِف عليه فتُرضعه وتَربِت على ظهره حتى ينام، وتغيِّر له كافولته وتعلِّمه المشي والكلام، وتغنِّي له وترقِّصه، وعندما يكبَر قليلًا تنهره بل تضرِبه إذا عصاها مثلًا، وتُمَشْوِره في طلبات البيت وتُرسله للمعبد لتعليمه الكتابة والقراءة على أيدي الأحبار من بني إسرائيل! أما بخصوص بحيرى والكلام المضحك الذي يفتريه النصارى بشأنه منذ قرون وقرون، فهل كان بحيرى يلتقيه - عليه السلام - في جُبٍّ تحت الأرض؛ بحيث لا يراه أحد فيسجِّل لنا ما كانا يتقاولانه؟ إنَّ حياته - صلى الله عليه وسلم - كتاب مفتوح، ولم يحدُث شيء من هذا على الإطلاق، ثم لماذا لم يتكلَّم بحيرى أو أحد من النصارى الذين كانوا مع بحيرى أو كان لهم اتِّصال ببحيرى، فيقول: إنه هو الذي علَّم محمدًا كذا، وقال له: قل كذا، وأْمُرْ قومك بكذا، وانْهَهُم عن كذا، وبالمِثل فإن أحدًا من قومه، ومنهم من كان يخرج معه في القوافل للتجارة وسمع ببحيرى أو رآه إذا كان لبحيرى هذا وجود، لم يفتح فمَه بكلمة واحدة من هذا الاتِّهام، ولم يجرِ بحيرى لهم على لسان ولو مرة واحدة عارِضة طَوال الحرب الضروس التي شنُّوها عليه - صلى الله عليه وسلم - وامتدت أعوامًا طوالًا لم يألوا أثناءها جهدًا في اتهامه بكل التهم، ثم رجعوا فلحسوا جميع ما قالوه فيه وآمنوا به، مبرهِنين بذلك على أنهم - في كل ما عابوه به -كانوا يكذبون كذبًا مفضوحًا، فما معنى ذلك؟ وحتى لو صدقنا بأنه قد قابَل بحيرى مرة يتيمة في سَفْرة من سفَراته، وهو صبيٌّ صغير إلى بلاد الشام رفقةَ عمه أبي طالب (وكان ذلك بالمناسبة على مرأى ومسمَع من القافلة كلها، وكان بحيرى، حسبما تقول الرواية، هو الذي طلب رؤيته وأراد الاطمئنان إلى أنه هو النبي المنتظَر، وحذَّر عمه أبا طالب من غدْر يهود، طالبًا منه أن يعود به من حيث أتى حتى لا يتعرَّض لمكايدهم، وهذه هي المرة اليتيمة التي يقال: إن بحيرى قد رآه فيها كما قلنا) ، فمتى وأين كان يقابِله بحيرى بعد ذلك، ومعروف أن الرسول، بمجرَّد أن بدأ دعوته إلى أن هاجر للمدينة، لم يغادِر مكة إلا إلى الطائف مرة يتيمة؟ وكيف كانت تدور بينهما المحاورات والمناقشات والمراجعات يا ترى وهما لا يلتقيان؟