-ثم إن ما قاله القرآن عن المسيح وأنه لم يُصْلَب ولم يُقْتَل ولم يكن ثمة فداء ولا خطيئة أولى ليتصادَم مع النصرانية كما يؤمِن بها القطاع الأعظم من النصارى، فما موقع بحيرى من إعراب تلك الجملة؟ ولماذا اندفعت الملايين النصرانية إلى الدخول في الإسلام عند سُنوح أول فرصة، والتصديق بما قاله محمد عن دينهم السابق إذا كانوا يعرفون حقيقة أنه ليس إلا صناعة نصرانية بحيراوية؟ لقد كان عندهم الأصل، فكيف يتركونه ويؤثِرون عليه الفرع؟ كذلك فإن القول بأنه - عليه السلام - كان أعرابيًّا هو كذِبٌ فاضح، فالأعراب هم سكان البادية، والرسول كان من قريش سكان أم القرى، وكان يشتغِل بالتجارة قبيل رسالته، فهو إذًا حضري لا بدوي، فكيف يقول الراهب المهتوك: إنه - عليه السلام - كان أعرابيًّا؟ وأنكى من ذلك أن يحاول ذلك الأحمق إقناعنا بأن الشيخ المسلم قد وافَقه على هذا الهراء، وكان كل همِّه مساواة الرسول بالمسيح؛ إذ ما من عالم من علماء الإسلام إلا ويعلم أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - هو سيد الأنبياء والمرسلين، وأنه قد فُضِّل على سائرهم بعدة مزايا، وأنه فوق ذلك مرسَل إلى الناس كافة لا إلى أولاد إسماعيل وحدهم، وإلا فأين نضع الأكراد والفرس والترك وأهل الهند والصين والشام وفلسطين ومصر والسودان والمغرب والأندلس، ثم أهل أوربا وأمريكا وأستراليا في العصر الحديث؟ أوَكل هؤلاء من أولاد إسماعيل؟ إن أصغر طفل مسلم في أتْفه كُتَّاب في أحقر قرية في أجهل بلد في العالم ليَعرف أن محمدًا هو رسولٌ للعالمين جميعًا، على حين أن عيسى (كما يقرأ كل يوم في القرآن) لم يُرْسَل إلا لبني إسرائيل وحدهم ليس إلا، وأن هذا هو أحد الفروق بين الرسولين الكريمين، فكيف تغيب هذه عن إمام من أئمة المسلمين أو عن الأمير الذي دارت المجادَلة في حضرته، وهو ابن من أبناء صلاح الدين"الكردي"قاهِر الصليبيين، ومكَمِّد المثلِّثين، وناصر دين النبي الأمين، محمد سيد الأنبياء والمرسلين؟ ويبقى تخريف الأنبا الأخرق الذي يدَّعي فيه كذبًا وزورًا أن العرب كانوا يُصلُّون لآلهتهم بالقصائد التي يَنظِمها شعراؤهم في الغزل والمديح والفخر والهجاء والحروب، ويكتبونها على ألواح يعلِّقونها عليها، أرأيتم - أيها القراء - قلة حياء وسماكة جلد بهذا الشكل؟ إنني رُغم تخصُّصي في الأدب العربي ورغم تأليفي عدة دراسات في الأدب الجاهلي لم أسمع بهذا قط، ولن أسمع به عَوْضُ!