-"قال الراهب: لعمري إن محمدًا يقول: إنه وأنتم على هدى أو ضلال مُبين عن الهدى والطريق المستقيم بقوله:"ما أعلم ما بي وبكم"، وقال أيضًا:"إني وإياكم على هدى أم على ضلال مبين" (سورة سبأ) ، وقوله:"اتقوا ما استطعتم لعلكم تفلحون"، ثم رسم لكم في كل صلاة تصلُّونها أن تسألوا الله الهدى إلى الطريق المستقيم بقولكم:"اهدنا السراط المستقيم" (الفاتحة) ، فإن كنتم على هُدى، فما لكم حاجة لتَسألوا الهُدى؛ لأن من قد اهتدى دفعةً فما باله يسأل الهدى؟ بل يسأل الله العون للسير في هداه، وخذ المَثل في ذلك واجعل أيها الأمير أنني اليوم قد خرجت عن حضرتك طالبًا المقرَّ والوطن وضلَلتُ عن السبيل، فلا أزال أسأل الله والناس الهُدى حتى أجد السبيل فما بي حاجة أن أسأل الهدى، بل أسأل العون على الوصول إلى الوطن."
-قال المسلم: وهو كما تقول.
-قال الراهب: ولو عرف محمد أنكم على هُدى لما سنَّ وشرع لكم السؤال إلى الله في الرُّشد والهدى، ثم لعلمه أن صلاته لا تُجزيه عند الله - تعالى - ربَطك أيضًا وشرع لكم الصلاة عليه بقوله:"يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا".
قال المسلم: أما علِمتَ أن الله وملائكته يصلُّون على محمد؟ أفما يجب أن أصلِّي أنا عليه؟
-قال الراهب: أفما كان أولى بك أن تُصلي على ذاتك، وتسأل الله العفو عن زلاتك، ولا تكون كمن أضواه الجوع، وهو يسأل الطعام لغيره، أو كمن انسقَم بذاته، ويطلُب الطبَّ لغيره؟ فإذا كنتَ أنت والله والملائكة يصلُّون على محمَّد، فمن الإله الذي يقبَل الصلاة؟ فإذا كان هذا الرأي فقد ساويت بالصلاة بين الله وملائكته والناس.
-قال المسلم: إن الصلاة هي رحمة منه على عباده.
-قال الراهب: فمن قدَر على نيل رحمة الله وملائكته فما به حاجة إلى صلاتك، بل الأولى بك أن تصلِّي على نفسك.
-قال المسلم: أفما تُصلُّون أنتم النصارى على مسيحكم؟
-قال الراهب: لا، ولكنَّا نُصلي إليه؛ لأنه إلهنا وخالِقنا، وهو يقبَل صلاة العباد.