قائلًا:"يا أبتاه، إن لم يمكن أن تعبُر عني هذه الكأس إلا أن أشربها، فلتكن مشيئتك"، 43 ثم جاء فوجدهم أيضًا نيامًا، إذ كانت أعينهم ثقيلة. 44 فتركهم ومضى أيضًا، وصلَّى ثالثة قائلًا ذلك الكلام بعينه"، ألم يغلِبه الألم على نفسه فجعل يصرُخ ويدعو الله قائلًا:"إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟"فما معنى هذا؟ ألم يسمع الأنبا الجاهل قول المسيح كما حكاه كتابه:"لماذا تدعوني صالحًا؟ ليس أحد صالحًا إلا واحد، وهو الله"، ومن هنا كانت دهشتي عظيمة حين شاهَدت ذات مرة إحدى الراهِبات الأجنبيات في برنامج مرنائي عربي تؤكِّد أنها لا تُخطئ ولا ترتكب ذنبًا، وأنها من ثَمَّ تعرف أنها ناجية يوم القيامة، إن هذا لهو الخَبَل العقلي والغرور الخُلُقي! نعوذ بالله من انغلاق القلوب وتحجُّر الضمائر! إن الراهبة المخبولة تتصوَّر نفسها، وكأنها إنسان آلي مبرمج على نظام معيَّن فهو لا يعدوه ولا يستطيع الخروج عنه إلى ارتكاب الخطأ بحال، وأنى لها أو لسواها ذلك؟ بل من قال: إن الإنسان الآلي لا يُخطئ أو يتعطَّل أو يخرج على برنامجه المُغَذَّى به سلفًا؟ أوَقدْ تجرَّدت تمامًا ونهائيًّا من الغرائز والشهوات فهي لا تضل أبدًا؟ إن استغفار محمد وطلبه الهدى دائمًا من ربه لهو أكبر دليل على صدْقه - صلى الله عليه وسلم - وإلا أفلم يكن قادرًا على أن يقول ما قالته الراهبة المجنونة لو كان الأمر عنده أمر ادِّعاء للنبوة؟ لا، لا، ليس هذا بصنيع الكذابين المدلِّسين! لقد كان محمد نبيًّا عظيمًا رغم أنه كان دائمًا ما يحُثُّ أتباعه ألا يفضِّلوه على أي من إخوانه، وهذه هي العظمة النفسية والأخلاقية في أبهى صورها! أما أمر القرآن له في سورة"سبأ"- عليه السلام - بأن يقول للكفار: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ: 24] ، فهو الغاية في أدب الجدال؛ إذ الأمر من الناحية النظرية المجرَّدة لا يخرج عن هذا، وقد أُمِر - صلى الله عليه وسلم - بذلك حتى يضع حدًّا للجدال الذي لا ينتهي، والذي كان الكفار بغبائهم وعِنادهم بارعين فيه، مثلما كان بنو إسرائيل يشغبون دائمًا على المسيح طبقًا لروايات الأناجيل، ويكثِرون من الأسئلة التي يريدون بها إرهاقه وإعناته لا التعلُّم منه ومحاولة الوصول إلى الحقيقة بالتعاون معه، وأنا، أيها العبد الضعيف، كثيرًا ما ألجأ لشيء مِثل هذا في محاضراتي حين يطول الجدال بيني وبين أحد الطلاب دون أن ننتهي إلى رأي نتَّفق عليه أو نتوصَّل إلى حلٍّ وسَط، فأقول له عندئذ:"هأنتذا ترى أننا قد وصلنا إلى