الصفحة 54 من 81

وظلَّت الأمور بينهما متوتِّرة، وفي يوم من الأيام فكَّر زيد في تطليقها كي يضع حدًّا لهذا التوتر، وفاتَحَ الرسول بهذا، لكنه - عليه السلام - راجَعه وطلَب منه الصبر، وفي النهاية طلَّقها زيد وتزوَّجها الرسول - عليه السلام - حين نزل القرآن بذلك؛ كي يعرف الناس أن التبنِّي لا يُعطي للابن غير الحقيقي في مسائل الزواج أو النَّسب وضْعَ الابن الحقيقي أبدًا، وكان زيد - رضي الله عنه - هو الذي خطَبها بدوره لرسول الله، وهو ما يدلُّ على أنه لم يكن في الأمر ما يُثير شكوكه أو حنَقه، هذه هي المسألة باختصار، فلمَ الطنطنة والتشهير؟ هل طمِع فيها الرسول وتآمَر على تطليقها من زوجها؟ أبدًا، فقد رأيناه يراجِعه ويأمره بالصبر، هل انتهَز فرصة غيابه عن البيت ودخل على زوجته ليستمتِع ولو بتبادُل الحديث معها والتغزُّل في محاسنها، ولا نقول: الزنا بها؟ أبدًا، فإن الروايات تنصُّ على أنه حين ذهب يطلُب زيدًا في أمر من الأمور ولم يجده انصرَف في الحال، ولم يتلبَّث، إذًا فما المشكلة؟ سنفترض أنه - عليه السلام - قد تعلَّق بها بعد أن كان هو الذي ضغَط عليها كي تتزوَّج زيدًا، فما وجْه العيب في هذا؟ هل يملِك البشر عواطفهم في أيديهم؟ ومع ذلك فلا بد أن يعرف القارئ أن زينب كانت تحت بصر الرسول وتصرُّفه طوال الوقت قبل أن يزوِّجها زيدًا على كُرهٍ منها ومن أخيها، أفلمَّا تزوَّجها عبْده السابق، وهو (فوق عبوديته له) من قبيلةٍ لا تُسامِت قبيلتَه هو وزينب، تَحلُو في عينَيه إلى الحد الذي يريد الأفاكون أن يجعلوا من حبَّتها قبة؟

-المهم أنه لم يلجأ إلى أي شيء يمكن أن يؤخذ عليه في هذا السياق: فلا هو ألمح لزيد برغبته في امرأته حتى يدفعه من طرف خفي إلى التنازل له عنها، فضلًا عن أن يُكرهه على طلاقها، ولا هو حاوَل إبعاده عن البيت كي يخلو بها متى أحبَّ، ولا هو تآمر على قتْله كما صنع داود (داود النبي والملك) مع قائده وجاره أوريا الحثي الذي رأى زوجته عارية كما ولدتها أمها وهي تستحِم في فناء بيت قائده المجاور لقصره حين كان يتمشَّى على سطح القصر ذات يوم، ولا أدري ماذا كان يفعل ملِك مثله على سطح القصر إلا أن تكون هناك بقايا طفولة لم تزَلْ فيه فصعد ليُطيِّر طائرته الورقية مثلًا (داود"ابن الله البكر"كما جاء في العهد القديم، وجد إله الأنبا الأحمق أو أبوه - كما يقولون - إذ المسيح عندهم هو"ابن داود"، والمصيبة أنه ابنه من جِهة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت