يقيِّدوه، ويُحيطوا به حتى يقضي المناسك كي يَطمئنُّوا إلى أنه في أيديهم لا يريد اليمن بل الحج، وثالثًا في حرْصه على اتِّباع سنة النبي في غزوة الحديبية لما عجَز عن تأدية الشعيرة؛ إذ ذبَح أميرنا وقصَّر شعره وانصرَف قافلًا إلى الشام، ورفض الدخول في معارك وإراقة دماء مع جند ابن عمه:"وفيها (أي في السنة العاشرة بعد الخمسمائة من الهجرة) توجَّه الملك الظافر الخضر بن السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب من حلب لقصْد الحج، فنزل بالقابون في يوم الأحد رابع شوال، ثم انتقل إلى مسجد القدم في خامس الشهر، وكان الملك المعظَّم بحوران، فوصل إلى دمشق، وأدخله إليها وعمِل له ضيافة، ثم توجَّه إلى الحجاز صحبة الركب الشامي، فلما وصل إلى المدينة زار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحرَم بالحج من ذي الحليفة، فلما انتهى إلى بدر وجد عسكر الملك الكامل قد سبَقه من مصر إلى بدر خوفًا منه أن يتوجَّه إلى اليمن ويستولي عليها، فقالوا له: ترجع! فعلِم مرادَهم، فقال: إنه قد بقيَ بيني وبين مكة مسافة يسيرة، وإني قد أحرَمت، ووالله ما قصدي اليمن، ولا أقصِد غير الحج، فقيِّدوني واحتاطوا بي حتى أقضي المناسك وأعود، فلم يوافِقوه على ذلك، وأعادوه إلى الشام، فصنع كما صنع النبي - صلى الله عليه وسلم - حين صدَّه المشركون عن البيت، قصَّر وذبَح ما تيسَّر، وعاد إلى الشام"، وكان بمستطاعه أن يَهُب لمحاربتهم كما قلنا أخذًا بما اقترَحه عليه قوَّاده وجنده الذين عزَّ عليهم أن يرجع على هذا النحو المهين دون أن يحج، إلا أنه رفَض كما جاء في تاريخ الإسلام"للذهبي":"قال أبو شامة: وحكى لي والدي، وكان قد حجَّ معهم، قال: شقَّ على الناس ما جرى عليه، وأراد كثير منهم أن يقاتِلوا الذين صدوه عن الحج، فنهاهم وفعَل ما فعَل النبي - صلى الله عليه وسلم - حين صُدَّ عن البيت، فقصَّر من شعره، وذبح ما تيسر، ولبس ثيابه، ورجع وعيون الناس باكية، ولهم ضجيج لأجله"، فهل من يتصرَّف مثلًا على هذا النحو من الحب لدينه وتحمُّل المشاق من أجل تأدية مناسكه والحرص على اقتفاء سنة رسوله - عليه السلام - منذ أن خرج للحج حتى أُعيق عن إتمامه يمكن اتهامه بأنه يُمالئ النصرانية ضد الإسلام؟
-وذكر ابن العديم في كتابه:"بُغية الطلب في تاريخ حلب"أن الأمير المشمر كان عالِمًا محدِّثًا،