الصفحة 62 من 81

وهْم كاتبها؟"قال الراهب: وأما قولك يا أبا سلامة أن نبيك قال:"وما مَثل عيسى ابن مريم إلا مَثل آدم قال له: كن، فكان (سورة آل عمران) ، فقد صدَق نبيك في قوله؛ لأن كلمة الله ورُوحه الخالقة الأزلية غير المحدودة وغير المدرِكة اتَّخذت لها من طبيعة آدم جسمًا من مريم وسكَن فيه واحتجَب به لاهوت الكلمة لأجل السياسة والتدبير؛ لأن الجوهر اللطيف لا يظهر إلا في جسم، وخذ المثلَ من جوهر النار، فإنه جوهر لطيف لا يُنظر ولا يُرى إلا في مادة من المواد، ثم اعلم أن موسى النبي طلَب من الله - تعالى - أن يبصِر الله بجوهر اللاهوت، فقال له الله: ادخل في باطن الصخرة، وأنا أضع يدي في ثقب الصخرة، وأنت تبصِر ما ورائي، فلما كان منه ذلك أبصَر موسى ما كان وراء الجوهر الإلهي، فلمَع في وجه موسى نورٌ لا يُستطاع النظر إليه حتى ما كان أحد من الشعب ينظُر إلى وجه موسى إلا مات، فاحتاج إلى برقع كان يضعه على وجهه حين كان يخاطِب الشعب لئلا يموت كل من ينظر إلى وجه موسى من الشعب.

-قال المسلم: إذا كان اعتقادك أن روح الله وكلمته حلاَّ في بطن مريم فقد بقي الله بغير رُوح ولا كلمة بعد حلولها في بطن مريم.

-قال الراهب: توهُّمك هذا يا أبا سلامة يَليق بصبيان المكاتب وأهل القرى والمضارب؛ لأنك تُقايس الإله الجوهر اللطيف الذي لا يُحدُّ ولا يردُّ، ولا يحصُره مكان ولا يحويه زمان، وهو غير المتنقِّل، وتتخيَّله محصورًا ومتنقِّلًا، أبعِدْ هذا الوهم من ظنك، وهذا الرأي من رأيك، ولا تتخيَّل روح الله وكلمته محصورة ومتنقِّلة.

-قال المسلم: فكيف يمكنني أن أحقِّق أن كلمة الله وروحه بجملتِها في بطن مريم، وهي بجملتها على العرش عند الله ولا يخلو منه، ولا يُفارِقه على حسب رأيك؟

-قال الراهب: توهُّمك هذا يُناسِب عيشتك الغليظة الرخية ومذهبك وناموسك وشريعتك؛ لأنكم تتصوَّرون وتنسبون الأشياء المعقولة كالأشياء المحسوسة بحسب عقولكم المكدَّرة من رخاوة العيشة واستعمال اللذات الجسدية، ولكني لا أكسَل عن أن أوضِّح لك البيان عما سألتَ، وآتيك بمثالات توضِّح الصدق، فما قولك في الشمس؟ أليس هي في أُفق السماء؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت