-قال المسلم: نعم.
-قال الراهب: أفليس تبعثُ شعاعها وحرارتها ونورها على الأرض كلها؟
-قال المسلم: نعم.
-قال الراهب: فهل نورها وحرارتها حين تَبعثهما إلى الأرض يُفارِقها أم لا؟
-قال المسلم: لا يُفارِقها، ولا يخلو منها.
-قال الراهب: كذلك كلمة الله ورُوحه حلَّت في مريم ولم تخلُ من الله الآب، نأتيك بمثال آخر فنقول: إن مولانا الأمير إذا تكلَّم كلمة برزت من عقله ومِن فِيه، وصارت الكلمة في كتاب من الرَّقِّ والمِداد، وحصلت في جسم، ثم نُودي بها في العالم وصارت مسموعة عند الكل، فهل كلمة الأمير فارقت عقله وبقي فيما بعد بغير كلمة؟! أفليس الكلمة بجملتها في عقل الأمير، وهي بجملتها في الكتاب والقرطاس والمداد؟
-قال المسلم: نعم"."
-والمجادلة كلها سفسطة في سفسطة؛ فالله - سبحانه - مطلَق لا يحدُّه حدٌّ، فكيف يحل في بطن مريم ويبقى هناك طوال شهور الحمل، ثم حين يولَد يظل في الأرض محصورًا في ذلك الحيِّز المادي المتغيِّر من لحظة لأخرى، وهو جسد عيسى الرضيع فالطفل فالصبي فالمراهق فالشاب فالرجل، ويعتريه ما يعتري أجسادَنا جميعًا من انحلال أنسجة وتكوُّن غيرها، وموت خلايا وحلول سواها محلَّها، فضلًا عن الألم والضعف والصداع والحاجة إلى الطعام والشراب والرغبة في الدخول إلى الخلاء والحركة والانتقال من مكان إلى مكان وتلقِّي الشتم والتكذيب ... إلى آخر مظاهر المعاناة التي تحتِّمها مطالب العيش والتفاهم مع الآخرين، إلى حين القبض عليه كما يُقبض على أحقر مجرِم وتعرُّضه للضرب والطعن والإهانة والسخرية والصلب والقتل، وهو يَجأرُ في جَنَبات الفضاء نُشدانًا لعون لا يأتيه أبدًا:"إلهي إلهي، لم تركتني؟"، مقرًّا على نفسه رغم كل سفسطات الأنبا الكذاب وأشباهه أنه ليس إلا"عبدًا"ضعيفًا يتَّجه إلى"إلهه"يرجوه المساعدة؟ ولقد صدق المسلم حين علَّق على هذه السفسطة الرقيعة قائلًا:"إذا كان اعتقادك أن روح الله وكلمته حلاَّ في بطن مريم فقد بقي الله بغير روح ولا كلمة بعد حلولها في بطن مريم"،