الصفحة 64 من 81

ذلك أنه متى ما جعلنا لله وجودًا متحيِّزًا بحيز المكان والزمان فلا بد أن يجري عليه - من ثَمَّ - كلُّ ما يجري على الوجود المتحيِّز من الانحصار دائمًا في مكان دون سائر الأمكنة، وفي زمان دون باقي الأزمان، وعلى هذا فإذا كان الله في بطن مريم أو في البيت أو على الصليب فلا وجود له حينئذٍ في غير البطن أو البيت أو الصليب، إن المسلمين حين يقولون هذا فإنما يقولون ما يقضي به العقل والمنطق، وما سوى ذلك هو مجرد سفسطة رقيعة كما قلنا مرارًا، ثم إن عالِمًا مسلمًا، فضلًا عن أن يكون هذا العالم من أئمة المسلمين، لا يمكن إذا أراد الردَّ بالإيجاب على سؤال منفي أن يقول:"نعم"كما ادَّعى كاتب الحدوتة على الشيخ، بل عليه أن يستعمل كلمة"بلى"، فهذه علامة أخرى من العلامات المُخزية التي تفضح كاتب الحدوتة وتهتِك ستار كذِبه وزيْفه!

-والغريب أن الراهب الكذاب يأبى إلا أن يَحور إلى طبيعته المدلِّسة الكذابة فيتَّهم المسلم بأنه هو الذي يقول بتحيُّز الله! انظروا إلى مدى الالتواء في تفكير هذا الكائن وسلوكه:"توهُّمك هذا يا أبا سلامة يَليق بصبيان المكاتب وأهل القرى والمضارب؛ لأنك تُقايس الإله الجوهر اللطيف الذي لا يُحدُّ ولا يُردُّ، ولا يحصُره مكان ولا يحويه زمان، وهو غير المتنقِّل، وتخيُّله محصورًا ومتنقِّلًا، وإلا فإذا كان جوهرًا لطيفًا لا يُحد، فكيف يريد الأنبا الرقيع حصره في بطن مريم وغيره من الأماكن التي كان يحلُّ فيها عيسى - عليه السلام - أو يتنقل بينها؟ وهو يتطاوَل على المسلمين، قائلًا: إنهم حِسِّيون مُتبلِّدو المشاعر والفَهْم لانشغالهم باللذائذ المادية، وكأنه هو وأمثاله يعيشون على نور الشمس ونسمات الهواء فلا يأكلون ولا يشربون ولا يلبَسون ولا ينامون؟"

-أما قول الراهب: إن"كلمة الله وروحه الخالقة الأزلية غير المحدودة وغير المدرَكة اتَّخذت لها من طبيعة آدم جسمًا من مريم وسكَن فيه واحتجَب به لاهوت الكلمة لأجل السياسة والتدبير؛ لأن الجوهر اللطيف لا يظهر إلا في جسم"، فليس له من معنى سوى أنه - سبحانه - لم يكن يدبِّر أو يَسوس قبل زمن عيسى ولا بعد انتقاله عن دُنيانا، ألم يقل: إن الجوهر الإلهي اللطيف إنما سكَن جسد عيسى كي يتمَّ التدبير والسياسة؟ إذًا فنحن الآن بلا سياسة ولا تدبير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت