إلهيَّين! ولا يكتفي الأحمق بما مضى، بل يأبى إلا أن يسقُط سقطة قاتلة أخرى حين يقول:"ولما كنا ذوي أجسام وجَب عند حكمته أن يخاطِبنا بجسم؛ لأن اللاهوت عادم الجسم، كما إن جوهر النار لا يعلَن ولا ينتفع الناس منه إن لم يظهر في مادة من المواد"، وسؤالنا هنا هو: وكيف كان الله يخاطِب البشر منذ بَدء الخليقة؟ ألم يكن يرسِل لهم أنبياء ورسلًا، أم كان يتجسَّد بنفسه في هؤلاء الأنبياء والرسل؟ إنْ قال بالأولى فعيسى مجرد نبي ورسول مِثل سائر الأنبياء والمرسلين، وإنْ قال بالثانية فجميع الأنبياء والرسل إذًا آلهة أو أبناء آلهة، وفي الحالتين لا فرْق بين عيسى وسواه!
-ولا يكتفي الأنبا المزيَّف بهذا، بل يلجأ إلى مثال النار التالي ليقنع المسلم بسُخْف ما يقول:"فما قولك في الشمس؟ أليس هي في أُفق السماء؟"
-قال المسلم: نعم.
-قال الراهب: أفليس تبعث شعاعها وحرارتها ونورها على الأرض كلها؟
-قال المسلم: نعم.
-قال الراهب: فهل نورُها وحرارتها يفارِقها حين تبعثهما إلى الأرض أم لا؟
-قال المسلم: لا يُفارقها ولا يخلو منها.
-قال الراهب: كذلك كلمة الله ورُوحه حلَّت في مريم ولم تخلُ من الله الآب"."
-وهذا المثال مما يجري على ألسنة النصارى للتدليل على صحة تثليثهم، مع أن هناك فارقًا جِذريًّا بين النار وبين الله؛ فالنار كِيان مادي، أي مركب من عناصر متعدِّدة كانت متفرِّقة قبل ذلك ثم تجمَّعت وأصبحت نارًا، وسوف تتفرَّق بعد ذلك كرَّةً أخرى، وهكذا دواليك، فهل الله هكذا؟ وهل الله كالنار متحيِّز في مكان وزمان معيَّنين؟ ثم إن النار باستمرار صدور أشعتها منها تفنى، وبعد قليل لا تعود هناك نار، بل إن الشمس وسائر النجوم، وهي كُرَات نارية هائلة الحجم إلى درجة رهيبة، لها عمرٌ مقدَّر سوف تبلُغ تمامه يومًا ولا تعود ثمة شمس ولا نجوم، كذلك فإن أشعة النار والشمس ليست هي النار أو الشمس كلها، بل جزءًا منها فقط، وهو عندما يغادِرها لا يعود جزءًا منها بل ينفصِل عنها، فما علاقة ذلك برُوح الله التي تُفارقه ولا