الصفحة 66 من 81

تفارقه؟ ثم إن حرارة الشمس تضعُف كلما ابتعدنا عنها، فهل روح الله تضعُف على هذا النحو أيضًا؟ كما أن وصول الأشعة والنور من الشمس إلينا يستغرِق وقتًا، فهل يجوز أن نقول ذلك عن روح الله؟ كذلك فإن أشعة الشمس ونورها لا يصِلان إلى كل مكان، فهل نقول عن روح الله ما نقوله عنهما، ونفسِّر في ضوء ذلك أن عيسى ابن مريم - عليه السلام - كان، في الوقت الذي يوجد فيه في مكان معين، يكون غائبًا عن بقية الأماكن؟ يمينًا بالله إن هؤلاء الحمقى أغبياء!

-ومرة أخرى يسقُط المنافق المدلِّس سقطة قاتِلة، إذ يتحذلَق قائلًا:"ونأتيك بمثال آخر فنقول: إن مولانا الأمير إذا تكلَّم كلمة برزت من عقله ومن فِيهِ وصارت الكلمة في كتاب من الرَّقِّ والمداد وحصَلت في جسم ثم نُودي بها في العالم وصارت مسموعة عند الكل، فهل كلمة الأمير فارقت عقله وبقي فيما بعْد بغير كلمة؟ أفليس الكلمة بجملتها في عقل الأمير، وهي بجملتها في الكتاب والقرطاس والمداد؟"، ومرة أخرى نجده يلجأ إلى أسلوب التفكير العامي الذي لا يصلُح في مخاطبة العقل والمنطق؛ فالكلام المقيَّد في الكراس ليس هو الفكرة التي في عقل الأمير، بل هو مجرد رمْز لها وصورة منها، والصورة غير الأصل كما هو معروف، ولا شك أن لكل من الأصل والصورة كِيانه ووجوده المستقل، فالفِكرة في عقل الأمير مثلًا لا تبقى كما هي بل تتطوَّر، أما في الكراس فستبقى كما هي برمزها الأول لا يعتريها تطوُّر، كما أن فكرة الأمير حين تنتقِل إلى عقل شخص آخر تمتزِج به وتصبح عنصرًا من عناصر فِكْره، فهل نقول هذا عن الله وروح الله؟ وبالمِثل إذا أراد الأمير أن يستعيد فكرته كما انبثَقت في ذهنه لأول مرة بالضبط فلن يستطيع ذلك أبدًا، بخلاف رمزها الكتابي في الكراس، كما أن الأمير عندما يموت تنتهي معه الفكرة التي كانت في ذهنه، على حين يبقى رمزها الكتابي الذي في الكرَّاس، أو قد يحترق الكراس وتبقى الفكرة الذهنية في رأس صاحبها، ولكن بعد اعتراء التطوُّر لها حسبما وضَّحنا، أو قد يموت الأمير ويحترِق الكراس جميعًا: إما في نفس الوقت، أو في وقتين مختلفين، مع تقدُّم هذا على ذاك، أو ذاك على هذا، ثم قبل ذلك كله ينبغي ألا يفوتنا ما قلناه عند حديثنا عن النار، وهو أن الفكرة التي في ذهن الأمير (بل كل الأفكار التي في ذهن الأمير والخفير والشريف والحقير) لم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت