الصفحة 72 من 81

يخاطِبنا بجسم؛ لأن اللاهوت عادم الجسم كما أن جوهر النار لا يعلن ولا ينتفع الناس منه إن لم يظهر في مادة من المواد، فأرسَل الله ابنه وحبيبه الذي هو كلمته وروحه إلى مريم العذراء حسبما يشهَد بذلك نبيك وكتابك بقوله:"ومريم ابنه عمران التي أحصنتْ فرجَها فنفخنا فيها من روحنا" [سورة التحريم] ، ويقول أيضًا: إن الله اصطفى كلمته وروحه الخالِقة الأزلية وحلَّت في بطن مريم، ومع حلولها اتخذت جسمًا من طبيعة آدم بريئًا من الخطيئة وكوَّنته كما شاءت، واحتجبت الكلمة والروح اللطيف بذلك الجسم واتَّحدت به، ولم يتقدَّم الجسم قبل حلول الكلمة والروح بل مع حلول كلمة ورُوح الله الخالقة تكوَّن الجسم.

-ومثال ذلك يكون الضوء في البرق وظهور الضوء مع حضور النار، واتَّحد اللاهوت بالناسوت المأخوذ من طبيعة آدم اتِّحادًا بلا اختلاط؛ لأن الطبيعة الإلهية لم تنتقِل إلى طبيعة الجسم الآدمي، ولا طبيعة الجسم الآدمي انتقَلت إلى طبيعة اللاهوت، بل صار كل منهما مالكًا خاصته وطبيعته، مثال ذلك أنك إذا أخذت سيفًا أو سكينًا وأحميتَهما بالنار حميًا بليغًا صار ذلك السيف أو السكين يفعل فعل الحديد وفعل النار فيقطَع ويحرق، ولم تنتقِل طبيعة الحديد إلى طبيعة النار، كذلك الجسد المأخوذ من طبيعة آدم صار يفعل فعل اللاهوت باتِّحاده باللاهوت، وبيان ذلك أن المسيح أقام الموتى وشفى البُرص والمرضى وفتح عيون العميان بوضع يده، وبتوسُّط ذلك الجسم المقدس نحن نسجد لإله متأنِّس، فإن عزلت بوهم ذلك الجسم عن كلمة الله وروحه، فإنه غير مسجود ولا معبود، ولكنَّا نعتقِد أن الواحد إله، والآخر تألَّه بحلول الإله فيه، فإذا أخذت خمس حبَّات مسك ثم وضعتها في خزانة وأدخلتها في منديل ألا تحصل رائحة في الخزانة والمنديل؟

-قال المسلم: نعم.

-قال الراهب: فإذا كان المسك الذي هو مادة من المواد المخلوقة يملِك هذه القوة والفعل، فكم تقدر كلمة الله روحه الخالقة الأزلية إذا اصطَفَتْ لها مسكنًا وحلَّت فيه لأجل قصْد اعتمدته من السياسة والتدبير؟"."

-وقد سبَق أن رددنا على حكاية الضرورة التي توجِب إرسال جسم إلى البشر حتى يفهموا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت