الصفحة 73 من 81

ومع ذلك فلا بأس أن نُعيدَ هنا ما قلناه قبلًا من أن الرسل ذوو أجسام مثل سائر البشر، ومن ثم كانت فيهم الكفاية لتأدية المهمة التي يتحدَّث عنها الأنبا، ولا حاجة إلى تجسُّد الله، وإلا فما القول في الرسل السابقين؟ أكانوا آلهة متجسِّدين؟ إذًا فالمسيح لا ينفرد بهذه المَيزة؟ أم أدَّوا المهمة رُغم أنهم كانوا بشرًا؟ إذًا فالمسيح مثلهم، قام بنفس المهمة التي قاموا بها، ولا معنى للزعم بأنه من طبيعة إلهية نزولًا على حكم الضرورة التي يدلِّس بها الأنبا الدجال؛ لأنه لا ضرورة هناك كما هو واضح، أما قوله:"أرسَل الله ابنه وحبيبه الذي هو كلمته ورُوحه إلى مريم العذراء حسبما يشهَد بذلك نبيك وكتابك بقوله:"ومريم ابنة عمران التي أحصنتْ فرجها فنفخنا فيها من روحنا" [سورة التحريم] ، ويقول أيضًا: إن الله اصطفى كلمته وروحه الخالقة الأزليَّة وحلَّت في بطن مريم، ومع حلولها اتَّخذت جسمًا من طبيعة آدم بريئًا من الخطية وكوَّنته كما شاءت، واحتجبت الكلمة والرُّوح اللطيف بذلك الجسم واتَّحدت به، ولم يتقدَّم الجسم قبل حلول الكلمة والروح، بل من حلول كلمة وروح الله الخالقة تكون الجسم"، فهو كذِب مثلَّث؛ لأنه لا وجود لهذا الذي يقول في أي موضع من القرآن، وإلا فليدلنا هذا الكذاب الذي لن يكسِّبَه ربُّنا أبدًا على الآيات القرآنية التي تقول: إن الله أرسَل ابنه وحبيبه الذي هو كلمته وروحه ... إلى آخر هذا الكلام الذي نعدُّه كفرًا وشركًا يُردي في جهنم، لقد نفى القرآن نفيًا مُطلقًا أنْ يكون عيسى ابن مريم ابنًا له - سبحانه - قائلًا: إن السموات يكدن أن يتفطَّرن وتنشقَّ الأرض وتخر الجبال هدًّا أن دعا الكفار لله ولدًا؛ إذ لا ينبغي أن يتخذ الله ولدًا، بل كل من في السموات والأرض بما فيهم عيسى ابن مريم سوف يأتي اللهَ يوم القيامة عبدًا، ولسوف يسأل الله عيسى ابن مريم ساعتئذ: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة: 116] ، ولسوف يردُّ عليه في منتهى الخشوع والعبودية: {سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوب} [المائدة: 116] ، كذلك لم يقُل القرآن قط: إن عيسى ابن مريم"روح الله"، بل قال:"روح منه"، مثلما قال أيضا عن آدم: {وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} [السجدة: 9] ، فهذا هو الذي يقوله القرآن، بخلاف ما يقوله الأنبا الكذاب، الذي ليس له من مكان يليق به إلا المراحيض!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت