الصفحة 79 من 81

جثته على الخشبة، بل تدِفنه في ذلك اليوم، لأن المعلَّق ملعون من الله"، تُرى هل من الممكن أن تتحوَّل اللعنة إلى بركة؟"

-ونضحك كثيرًا حينما نسمع الراهب يسأل الشيخ المسلم عن الدين الذي يعُدُّه حقًّا بين الأديان الأربعة: الإسلام أم النصرانية أم اليهودية أم الصابئة؟ فيردُّ الشيخ قائلًا:"ما أَعلم"! ترى هل هذا ممكِن الحدوث، وبخاصة بعد أن كان الشيخ لتوِّه يُنافح عن دينه، ويؤكِّد أنه هو وحدَه الدين الصحيح؟ وها هما ذان سؤال الراهب وإجابة الشيخ عليه:"قال الراهب: صدَقتَ في قولك: إن كل ذي دين يحقِّق دينه ويُحامي عنه، والأديان أربعة: صابئ ويهودي ومسلم ونصراني، فأي منها عندك الدين الحق الموضوع من الله؟ قال المسلم: ما أعلم"، وكان الشيخ المسلم قبل ذلك قد أكَّد - كما قلتُ - أن الإسلام هو ذلك الدين الحق لا سواه:"قال المسلم: السماء والأرض والملائكة والناس يشهدون أن ديني وكتابي هو الحق اليقين، وإن الله - تعالى - أنزَله على نبيه محمد المصطفى نورًا وهدًى ورحمة من رب العالمين"، كيف يكون ذلك؟ وأخيرًا فليست هذه الحدوتة هي المساجَلة الوحيدة المزيَّفة من نوعها، فقد صنَع السريان مثلًا مساجلة أخرى بين شخصين وهميِّين هما عبدالله إسماعيل الهاشمي وعبدالمسيح بن إسحاق الكندي، وزعموا أنها وقعت في عصر المأمون؛ (انظر د. محمد أبو شامة في مقدمة الكتاب الذي حقَّقه لأبي عبيدة الخزرجي باسم"بين الإسلام والمسيحية"/ مكتبة وهبة/ 43 بالهامش) .

-ولا يرضى الكاتب الكذاب أن تنتهي الحدوتة دون كذْبة تليق بالمقام، فجاءت نهايتها على النحو التالي:"قال المسلم: لقد علِم الله - تعالى - أنك قد أزعجت فكرنا وزعزَعت لُبَّنا بما أحسنت في الخطاب وإيراد الجواب، فلم يبقَ بنا عندك سؤال، ولله درُّك، فقد أفخرت أهل دينك، وجمَّلت أوطانك، وزيَّنت إخوانك، ولولا نحن على سفَر لسألناك في المقام عندنا؛ رغبة بقُربك إلينا، وصرَّفناك فيما يخصُّنا من مال ودار."

-قال الراهب: جزاك الله عنَّا خيرًا وإنعامًا، لقد قابلتمونا بالإحسان، وإن كنا أسأنا في الخطاب وأغلَظنا في الجواب (انظروا إلى الأدب الكاذب الذي نزَل على ذلك الخبيث فجأة!) ، فهذا من شيمة أهل الأدب والأحساب والأنساب، فإلى أين السفر؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت