الصفحة 14 من 72

ولكنها تشترك جميعًا في مجموعة من الظواهر اللغوية التي تيسر اتصال أفراد هذه الهيئات بعضهم ببعض، وفهم ما قد يدور بينهم من حديث فهمًا يتوقف على قدر الرابطة التي تربط بين هذه اللهجات ... (و) متى كثرت هذه الصفات الخاصة بعُدَتِ باللهجة عن أخواتها، فلا تلبث أن تستقل وتصبح لغة قائمة بذاتها" [1] ."

أما هجوم الكاتب على العربية الفصحى لكونها"لغة منمَّقة مقعَّدة"فيقوم على وهم عجيب لا يصح أن يسكن عقل مَن كان لديه مُسكةٌ من فهم ومنطق، ألا وهو أن اللهجات العامية تخلو من التقعيد، إنه ما من لهجة عامية في أي بلد من بلاد الله إلا ولها قواعدها ونظامها اللغوي في الكلمة والجملة والصورة، وما إلى ذلك، وإن ظن بعض السطحيين أن الأمر بخلافه، وكي أقرب المسألة للقارئ وأختصر الطريق أذكر أني قرأت بعض الكتب التي ألَّفها نفر من المستشرقين لهذه اللهجة العامية أو تلك من لهجات العرب، فوجدتهم يفيضون في شرح نحوها وصرفها، ويذكرون قواعد ذلك لا تقلُّ، إن لم تزد، في تفصيلاتها عن قواعد العربية الفصحى، وقد سبق أن لمستُ هذه النقطة لمسًا خفيفًا في أحد الهوامش التي مرت غير بعيد، ومن هؤلاء مَن ألف في قواعد العامية المصرية كتابًا ضخمًا لا يقل حجمًا عن كتاب ابن عقيل، بل ربما كان أضخم منه [2] .

ولا شك أن ذلك الهجوم الذي شنه زكريا أوزون على الفصحى في كتابه الذي بين أيدينا ودعوته إلى نبذها لهو أعظمُ دليل على فساد زعمه المبطل الصفيق الوجه بأننا قد تركناها في الواقع فعلًا؛ إذ لو كنا قد تركناها كما يقول، فلماذا يُعنِّي نفسَه ويقذف بها في الصعب والوعر كل هذا القذف من أجل إقناعنا بنبذها؟ هل المنبوذ يحتاج إلى نبذ، بل هل يمكن نبذه؟ إن هذا

(1) د. إبراهيم أنيس / في اللهجات العربية / ط 4 / مكتبة الأنجلو المصرية / 16 - 17.

(2) وها هي ذي أسماء بعض الكتب الإنجليزية في نحو عدد من العاميات العربية مما وجدته في مكتبة جامعة قطر:

وفي مكتبتي الخاصة بالقاهرة كتب أخرى في قواعد هذه العامية أو تلك لبعض المستشرقين الإنجليز والفرنسيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت