الصفحة 15 من 72

مثل تضييع الوقت والجهد والتفكير والمال في محاولة قتل المقتول! كلاهما حماقة وقلة عقل! وبغضِّ النظر عن هذا التناقض المضحك، فإننا لا ندري إلى أي أساس يستند السيد أوزون في دعواه الرَّعْناء بأننا قد تركنا استعمال الفصحى في واقع الأمر [1] ، إن الواقع الصحيح أننا لم نَنْبِذِ الفصحى قط، بل الملاحظ أن اللهجات العامية قد أصبحت، بفضل انتشار التعليم، أقرب إلى الفصحى منها طوال قرون التخلف الفكري التي سبقت النهضة الحديثة، كما أن الفصحى تغادي الآن أسماع العوام وتراوحها في الخُطَب السياسية، وفي نشرات الأخبار، وبرامج التحليل السياسي والاقتصادي والعسكري والأدبي، والأحاديث التي يلقيها الكتَّاب والمفكرون، والنصوص الأدبية التي تختار للقراءة في المذياع والمرناء، وكذلك في المسرحيات والتمثيليات والأفلام والأغاني والأناشيد الناطقة بها، وما أكثرها ... إلخ. أي إن الفصحى لم تعُدْ وقفًا على حلقات الدرس والندوات وخُطَب الجمعة مثلًا، بل أضحَتْ تغزو البيوت وتقتحم على العامة آذانهم وعقولهم اقتحامًا، كما أن التأليف العلمي، وكذلك التأليف الأدبي أيضًا (اللهم إلا بعض الأغاني والمسرحيات) لا يصطعنان إلا الفصحى، كل ذلك في سيل منهمر تَهْضِبُ به المطابع يوميًّا في هيئة كتب وصحف، ومجلات ونشرات، وإعلانات وإرشادات، مما لم تكن العصور القديمة تعرف شيئًا منه.

ليس ذلك فحسب، بل إن مِن علماء الدين الإيرانيين والباكستانيين والهنود والأفارقة مَن يؤلفون ويتحدثون العربية الفصحى كأحسن ما يكون؛ أي: إن الفصحى ليست باقية في البلاد العربية فقط، بل ما زالت مستعملة في بعض النطاقات العلمية خارجها أيضًا، ومن المعروف أن ثمة دولًا إسلامية تتخذها لغة ثانية لها، وتدرسها في معاهدها العلمية على هذا الاعتبار، كما أن في كثير من الجامعات المختلفة حول العالم أقسامًا لدراسة العربية وتراثها الأدبي والفكري، كما هو الحال مثلًا في إيران، وإندونيسيا، وبروناي، وأوزبكستان، وكينيا، ونيجيريا، واليابان، وبريطانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة ... إلخ ... إلخ.

بل إنها تدرس في المرحلة الثانوية في بعض البلاد الأوربية بوصفها لغة أجنبية ثانية، كما ندرس نحن في مصر الألمانية والإسبانية والإيطالية مثلًا إلى جانب الإنجليزية، التي تأتي عندنا عادة في

(1) وهو هنا ينطلق مما يدعيه بعض المستشرقين من أن الفصحى قد انهزمت في الواقع أمام العامية، فلا معنى إذًا للعناد والتمسك عبثًا باللغة المهزومة، قال ذلك مثلًا وليم ولكوكس الإنجليزي في محاضرة له بالقاهرة سنة 1893 م، نشرها في مجلة"الأزهر"آنذاك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت