المرتبة الأولى بين اللغات الأجنبية، فهل من المعقول أن يجهل هذا كلَّه السيد أوزون؟ فلم إذًا يتصدى لما لا يحسن؟! ألا رحم الله امرأً عرف قدر نفسه!
بل إن القراء من العامة، مَثَلهم مثل الخواص، لا يعرفون إلا القراءة بالفصحى، وإذا ما وقع في أيديهم نص لأغنية عامية مثلًا صعب عليهم قراءته، قليلًا أو كثيرًا؛ ذلك أننا لم نتعود القراءة بالعامية، بل لم نفكر بعدُ في وضع قواعد إملائية لها، كما هو الحال في الفصحى، وكلٌّ يكتبها في العادة كما يتفق له، اللهم إلا في الكلمات التي لا يوجد فرق في النطق بينها وبين الفصحى، مثل:"أرض"، و"وجع"، و"حضر"، و"قام"، و"على"، و"من"، وأشباهها.
في ضوء هذا يمكننا أن نفهم رد توفيق الحكيم على الغربيين الذين يحاولون الإيهام بعمق الهوة بين الفصحى والعامية عندنا زاعمين أن لغة الضاد في طريقها إلى الزوال؛ إذ يقول: إن"الواقع الذي ألاحظه اليوم - ولاحظه كثيرون - هو بعكس هذا الزعم؛ فالعامية هي المقضيُّ عليها بالزوال، والفارق بينها وبين الفصحى يضيق يومًا بعد يوم، ويكفي أن نستمع إلى فلاحنا أو عاملنا في مجلس الأمة أو مجالس الإدارة ليتضح لنا أن لغة الكلام العادي قد ارتفعت إلى المستوى الفصيح" [1] .
من هذا يتضح للقارئ أشد الوضوح أن كل ما قاله زكريا أوزون لا يعدو أن يكون هراءً لا رأس له ولا ذَنَبَ! على أنْ ليس معنى هذا أنني أزعم أن القدرة على استعمال الفصحى عند كلِّ مَن يستعملونها هي في المستوى المنشود، ولذلك أسبابه وعوامله، التي يأتي على رأسها ضعفُ الشعور بالعزة القومية من جراء الوقوع تحت نير الاستعمار عشرات السنين [2] ، فضلًا عن أن قرون التخلف الفكري والأدبي التي بسطت ظلامها الحالك على الأمة العربية - قد باعدت بينها وبين الثقافة الراقية وآدابها ووعائها اللغوي المتمثل في الفصحى، ثم لا ننسَ أننا الآن لا نهتم
(1) توفيق الحكيم / مسرحية"الورطة"/ مكتبة الآداب / 170 (من الكلمة الموجودة في آخر الكتاب بعنوان:"لغة المسرحية") .
(2) من ذلك أن الطلاب المتفوقين في المرحلة الجامعية لا يُقبِلون عادة على التخصص في لغتهم القومية وآدابها، وأضرب لذلك مثالين: أولهما حين دخلت جامعة القاهرة في أكتوبر 1966 م، ثم بدا لي بعد أيام أن أحول أوراقي من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية (كلية القمة لطلاب القسم الأدبي) إلى قسم اللغة العربية من كلية الآداب، وقد قُوبل هذا التصرف بالدهشة الشديدة، حتى من موظفي كلية الآداب نفسها، كما اشتهرت بين طلاب المدينة الجامعية (حيث كانت أسكن) بأنني الطالبُ الذي تهور وأقدم على التحويل من كلية السياسة والاقتصاد إلى دراسة اللغة العربية، والثاني: ما نسمعه من كثير من طلاب أقسام اللغة العربية مِن تألُّمهم للنظرة التي ينظر بها إليهم الطلاب الآخرون؛ إذ يسمونهم بـ:"المشايخ"، يقصِدون أنهم جامدون متخلفون عن العصر وحركته واهتماماته!