الصفحة 17 من 72

بتجويد شيء أو إتقانه، يستوي في ذلك الصناعة والزراعة والتعليم، فنحن لسنا ضعفاءَ فقط في الكتابة بالفصحى والنطق بها، بل نحن ضعفاء في كل العلوم والمجالات، وحتى في ميدان اللعب والرياضة، بل حتى في مجال جمع القمامة من الشوارع! وفي ظل هذه الأوضاع المتردية لا يتوقع أن يشذَّ العرب في أمر لغتهم فيتقنوها في الوقت الذي لا يكادون يبرعون في أي شيء، اللهم سوى الادعاءات الفارغة والتشدق بالإنجازات الوهمية، وهذا هو السبب في أن كثيرًا من الكتَّاب والأدباء يخطئون كثيرًا إذا كتبوا أو قرؤوا مما لم يكن للعرب به عهد في عصور عزهم وقوتهم، بدليل أن كل المؤلفات التي تركوها خلفهم تخلو من هذه الظاهرة المؤسفة التي نشكو منها في العصر الحديث.

ورغم ذلك كله، فإن هذا العصر الحديث نفسه قد حظي بأسماءٍ لامعة في عالم الأساليب الأدبية تُسامِتُ أعظم الأسماء في الأدب العربي القديم، نستطيع أن نذكر فيها بكل فخر واعتزاز: الشدياق، وشوقي، وحافظ، وسليمان البستاني، والرصافي، والمنفلوطي، وشكيب أرسلان، وجبران، والرافعي، ومي زيادة، والبشير الإبراهيمي، والفاضل بن عاشور، ومحمد الغزالي، وفريد أبو حديد، ومحمود تيمور، وشفيق جبري، والعقاد، والمازني، وطه حسين، والزيات، ومحمد كرد علي، وخليل مطران، والجواهري، وأبو القاسم الشابي، وباكثير، وبدر شاكر السياب، وصلاح عبدالصبور، ومحمد مزالي، وناصر الدين الأسد، وعادل زعيتر، ومحمد عزة دروزة، وسيد قطب، وبنت الشاطئ، ومحمود شاكر، وإبراهيم طوقان، وصالح جودت، ونازك الملائكة، وعبدالكريم غلاب، وعبدالرحمن الشرقاوي، وسعد الله ونوس، ومحمود المسعدي، وجواد علي، وغازي القصيبي ... إلخ ... إلخ، وهي مفارقة، ولا شك، عجيبة، لكنها حقيقية رغم ذلك!

كذلك مر بنا قول زكريا أوزون: إنه لا فرق بين أن نقول:"قتل أحمدَ زيدٌ"أو قتل أحمدُ زيدًا"؛ إذ العبرة عنده بموضع الفاعل والمفعول في الجملة؛ حيث يأتي الفاعل أولًا، ثم المفعول بعده، وهذا كلام قد قاله من قبله د. إبراهيم أنيس، فهو إذًا لم يأتِ بشيء من عنده، وإن لم يُشِر إلى الدكتور أنيس من قريب أو من بعيد، قال الأستاذ الدكتور في كتابه"من أسرار اللغة"، وهو الكتاب الذي عقد فيه فصلًا طويلًا حاول فيه عبَثًا أن يثبت أن العرب بوجه عام كانت تقف على أواخر الكلمات بالسكون، وأن الإعراب شيءٌ طرأ على لغتنا أواخر القرن الأول للإسلام أو أوائل الثاني، وأنه ليس له في حقيقة الأمر رغم هذا أي مدلول [1] :"نكتفي ... ببيان قصير عن

(1) انظر: الكتاب المذكور / ط 6 / مكتبة الأنجلو المصرية / 1978 م/ 198 وما بعدها، و 237 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت